تتجلى قسوة الحياة حين تحرمنا أحياناً من فعل أشياء نحبّها ...

وكم هي قليلة تلك الأشياء التي نحب أن نفعلها !!

 

لذا فإن الأيام تمضي هكذا ويمر العمر فنكتشف أننا لم نفعل أبداً ما نحب ...

أو فعلناه أقل كثيراً مما كان يجب أن نفعل !!

 

أدرك هذا أكثر من أي وقت مضى ..

ربما لأنني مغادر بعد فترة قصيرة ..

صعب جداً أن تتخذ مثل هذا القرار دون أن تشعر بالمرارة ... بالفقد ...

تذكر أنك لن ترى بعد ذلك والديك .. إخوتك .. أصدقاءك .. زملاءك .. جيرانك .. لن تشاهد برامجك المفضلة .. ولن ترتاد أماكك المميّزة .. وسيختلف حتماً طعم قراءتك لجريدة الصباح وكوب الشاي الساخن يسرّب دفئاً من خلال يديك إلى روحك .. ها على اعتبار أنك ستستمر في قراءتها وأنت بعيد .. حتى أن كوب الشاي ذاته لن يمتعك بنفس المذاق !!

 

غريبة هي علاقتنا مع الأماكن والأشياء .. حتى ليظن المرء أنها تملك روحاً تمكـّنها من التغلغل داخل كيان ووجدان كلٍ منا ...

 

منظر شروق الشمس على شاطئك المحبّب ...

موقعك الخاص على النيل .. شجرتك المميّزة حيث حفرتك وحبيبتك اسميكما للمرة الأولى .. كرسيّك الأثير أمام التليفزيون .. وحتى أشكال الشوارع والمنازل والناس حولك .. ألوان الحوائط والسجاجيد والنسق المعيّن لوضع التحف بغرفة الصالون .. طعم الماء هنا .. بل ورائحة الهواء !!

 

كيف تصل بنا الأحوال لأن نقرّر طواعية التخلـّي عن كل ذلك وبدء مجموعة جديدة من الذكريات والعلاقات بالأشياء ...

 

أعرف صديقاً لي سافر منذ سنوات عديدة حتى أني كففت عن تذكر شكله لا زال حتى هذا اليوم ينتظر خراطيش (الكليوباترا) التي يبعثها له أخوه على شكل طرود !! هو لا يستطيع تغيير نوع سجائره .. ولكنه استطاع أن يستغني عن كثير من الأشياء الأخرى !!

 

نزلت على عجل كأني على موعد على موعد هام .. قابلت بواب العمارة بتحية احتفالية مبالغ فيها كأني أودّعه ... وعندما بدأ الرصيف يبتلعني مع باقي البشر الذي يئن بدبيبهم فوقه بلا انقطاع كدت أبادرهم التحية والسلامات حتى وإن كنت لا أعرفهم ... وتوقفت لبرهة أمام عربة الفول محاولاً بين القضمات أن أحفر ملامحهم في ذاكرتي إذ أنه قد لا تسنح لي فرصة رؤية وجوههم ثانية ...

 

وبعد أن انتهيت من الأكل لم أجد ما أفعله ..

 

جلست على مقهى رغم أني لم أعتد الجلوس على مقهى في هذا الوقت المبكر من اليوم .. ولكن ماذا علـّني أفعل .. إذ أنني في أجازة مفتوحة لاستكمال أوراق الهجرة .. بعدها أحدد موعد السفر .. وأسافر ...

 

حاولت استئناف التركيز وحفر الملامح في الذاكرة .. إلا أنني مللت بعد وقت قليل ...

 

وهنا بدأت أفكر ...

 

ما هي الأشياء التي أحب أن أفعلها ...

ولن أستطيع بعد أن أسافر ؟!!

ما هي الأشياء التي أحب أن أفعلها ...

ولا يمكنني أن أفعلها إلا وأنا هنا؟؟!

 

فكرت وفكرت وفكرت ......

 

ولكني فشلت ...

 

نقلت فكرتي إلى مستوى مختلف ...

 

ما هي الأشياء التي أحب أن أفعلها عـمـومـــاً ؟!!

 

بدأت أشعر بالخوف .. فكل ما اهتديت إليه كان تافهاً وبسيطاً .. وإذا تحريّت الانصاف .. يمكن أن نطلق عليها سخيفة ...

 

ماذا أحب أن أفعل ؟!

 

أستحم بماء ساخن وتدفقه قوي ؟

أشرب الشاي بالنعناع الأخضر الطازج ؟!

أشرب سيجارة بعد ممارسة الجنس ؟!!

الانتهاء من حل الكلمات المتقاطعة الكبيرة بجريدة الخميس ؟!!

مشاهدة فريقي يهزم المنافس في مباراة لكرة القدم ؟!!!

أشم رائحة عطر جميل تضعه أنثى مغرية ؟!!

أقرأ كتاباً شيّقاً ... أو أشاهد فيلماً له سيناريو جيّد ؟!!!

 

الآن أحسست بمدى تفاهتي ووضاعتي ...

ما كل هذا السخف ؟!!

لا شيء واحد مهم .. لا شيء واحد مميّز ..

لماذا أعيش إذن ؟!!

 

نظرت للوجوه العابسة من حولي ...

هؤلاء أناس لا يفعلون ما يحبّون !!

وأن أفعل كل ما ذكرت وكنت أظن أني أحبّه و مع ذلك لا تبدو عليّ أمارات السعادة !! كيف يفعل المرء كل هذه الأشياء التي يظن أنـّه يحبّها ثم لا يكون سعيداً؟!!

 

ثم أنـّه يمكنني فعل أيّ منها في أيّ وقت وفي أيّ مكان ..

لماذا أمكث هنا إذن ؟!! إذا كنت أفعل كل ما أحب ولست سعيداً ؟؟

لماذا أهاجر إذن ؟!! إذا كنت لا أجد شيئاً أحب أن أفعله فيسعدني ؟؟

أمن أجل دخل أفضل وفرص في الحياة أكرم ؟!!

لماذا إذن يجلس كل هؤلاء ؟!! لماذا لا يغادرون بدورهم؟!! أم أنهم يرغبون في ذلك ولكنهم لا يقدرون؟!

وإن كان هذا صحيحاً .. فهل من الممكن أن ثمّة أشخاص آخرون في مكان آخر .. في بلد أخرى .. يرغبون في أن يكونوا مكاننا؟!!

 

تذكرت رسالة وردتني بالبريد الأليكتروني منذ فترة عن الأشياء التي لا يجب أن تموت قبل أن تفعلها .. ماذا لو أني فعلت المثل وحصرت الأشياء التي يجب أن أفعلها قبل أن أموت؟!!

 

ولما لم أجد .. تساءلت هل يعني هذا أني على استعداد للموت الآن؟!! ألا أجد أشياءً أحب أن أفعلها ولو على شكل أمنيات ميت أو طلبات مذنب محكوم عليه بالاعدام؟!!!

 

شيء واحد .. واحد فقط !!!

 

لا يجب أن يكون عظيماً مستحيلاً .. ولكن على الأقل يكون مميّزاً ..

 

أحب أن ....

        أن .........

        أن ............

 

لا شـــــــيء ... لا شــــــــــــــــــيء ........

 

أحب الآن .......... أن أبكي ......

        أجل أبكي ... فقط أبكي ......

 

ولدهشتي وجدت دموعي تنساب حارة ساخنة على وجنتيّ دون صوت أو نهنهة .. وبقدر ما أدهشني .. وبقدر ما كان شكلي أمام الناس غريباً .. بقدر ما أحسست بسعادة داخلية كبيرة .....

 

فأنا أحببت أن أبكي ... فـبـكـيــت ....

 

لا زال هناك أمل ..

        ها هو شيء واحد ..

                ليس عظيماً .. ليس مستحيلاً ..

                        ولـكـنـه مـمــيـّـــــــز ...

                                أن أبــــــكــــــــــــــي ......

 

هو أمر ليس هيناً ... ليس بتافه أو سخيف ...

هو ينبع منك ... يحمل روحك ... ولا يمكنك أن تدّعيه ...

هو كل الصدق .. يغسلك فيغيّرك ...

هذه ليست النهاية .....

سأجد أشياءً أخرى أحب ان أفعلها ....

وســـأفـــعــــلــــهــــــــــا .........

                حــتــّـــــى لــــــو كــــــانــــــت بــدايـــتــــهــــــــــا ....

                                        بــــــــــــــــــــــكـــــــــــــــــــــــــــــاء

 
 
 

 © Dr. Mohamed Naguib Abdallah 2007

 


 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a cooperative effort by a group of Egyptian authors pooling together their talents for the sake of Egypt's Future.  Articles contained in these pages are the personal views and/or work of the authors, who bear the sole responsibility of the content of their work. This Monthly Electronic Magazine is a non-profit, commercial free zone and is answerable to no one.

BACK  TO
 THE  JUNE 2007 ISSUE


 
 

PicoSearch

© Copyright 2003-2004-2005
For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY