>> رنين المنبه<<

أووووف!!... مددت يدي أعلى الوسادة التي احتوت كرة صغيرة هي رأسي...تحسست مكان هاتفي المحمول .... وعندما لمست أصابعي ذلك الجسد الصلب البارد الصغير، أحكمت قبضتي عليه و قربته إلى وجهي حتى كاد يلتصق به.... الساعة لازالت السابعة... حاولت أن أتذكر ما الذي دعاني أن أضبط المنبه لكي يوقظني في السابعة رغم أنني ذهبت للنوم في الخامسة فجراً من نفس اليوم؟!... تدخلت سريعاً رغبتي العارمة في العودة للنوم... فقط النوم... فقلما تزورني الأحلام... أحلامي دائماً على خلاف معي... فبجانب أن معظمها لا يتحقق، فأنا أضطر اضطراراً لاستدعائها في يقظتي لأنني أعرف أنها تأبى أن تأتي بإرادتها في سباتي...

بأعين نصف مغمضة أعدت ضبط المنبه مرة أخرى ليوقظني بعد ساعة، غير آبهة بما دعاني للاستيقاظ قبل ميعاد ذهابي للعمل في التاسعة بساعتين...

 

>> رنين المنبه<<

هذه المرة استيقظت و أنا أدرك مسبقاً أنها لابد الثامنة... تثاءبت و أنا أشعر بإحباط لأنه لم يعد في إمكاني النوم ساعة أخرى... في الحقيقة لم أضبط المنبه لإيقاظي مبكراً لغرض ما إلا لكي أستطيع إعادة ضبطه مرة أخرى فأشعر أنني قد استطعت أن أسلب الزمن غنيمة ثمينة.... ساعة أخرى كاملة!!

اكتشفت أن هاتفي المحمول كان لا يزال في قبضتي ... نظرت إلى الأرقام المضاءة على الشاشة الصغيرة... استطاع هاتف خبيث بداخلي أن يقنعني أنه لازال بإمكاني الانتظار عشرة دقائق أخرى.. فقط عشرة.. ماذا يمكن أن يحدث خلال عشر دقائق؟؟!...

أسدلت جفوني مرة أخرى لتكون ساتراً بيني و بين حياتي... لمدة عشر دقائق ليس إلا..

بعد وهلة سمعت صوتاً دافئاً قادم من مكان بعيد و لكنه يقترب بسرعة حتى اصطدم بأذني... ليس ذلك رنين المنبه!..كان صوت أمي متسائلاً... لم أستطع أن أميز عما كانت تسأل إلا بعد أن نظرت إلى الساعة... هـــــه؟؟!!!

كانت الساعة تشير إلى العاشرة إلا دقائق معدودة!!...استطعت ساعتها أن  أفهم أن أمي كانت تتساءل إذا كان اليوم عطلة لسبب ما..يا إلهي!..اللعنة على كل المنبهات!! اللعنة على النوم، على برد الشتاء القارص، على العمل، على حياتي...اللعنة!!!..انتفضت بشدة من على السرير و اختفت الكرة الصغيرة من على الوسادة لتتأرجح  في الهواء فوق جسد أخذ يتحرك في كل الاتجاهات..لم أجيب أمي..كانت انتفاضتي و تقطيب جبيني و لعناتي التي لم ينطقها لساني كفيلة بأن تجيبها فتنسحب في هدوء إلى المطبخ الصغير لتبدأ في إعداد فطوري...

لم أحسب كم مرة عدوت من الحمام إلى غرفة النوم ثم إلى غرفة الجلوس ألملم أشيائي المبعثرة في كل مكان تحت وطأة تلميحات أمي عن إهمالي و مساوئ اللانظام الذي أحيا به كلما صحت بصوتٍ حانق اسألها عن مكان ذاك القلم أو تلك الورقة أو ذاك الحذاء الذي كنت ألبسه البارحة...

وقفت أمام خزانة ملابسي المملوءة بكل ألوان و أنواع الملابس التي أهوى اقتناءها...ماذا أختار؟؟

لم يكن هناك وقت للتفكير أو الاختيار...شعرت بغضب أمام خياراتي المتنوعة و المحيرة!..أغلقت باب الخزانة في عنف و اتجهت ابحث عن القطع التي كنت أرتديها بالأمس و التي وجدت أحدها تحت الغطاء و الباقي فوق الكرسي الضخم في أحد أركان غرفتي...

ألقيت على نفسي نظرة أخيرة في المرآة و لكني أجفلت لحظة أن لمحت ذلك الوجه الشاحب الذي فقد الكثير من جماله و نضارته و ختمته هالتان سوداوان تحيطان بعيون كانت ذات يوم تشع بسعادة تختلط ببريق من الذكاء فتمنحها جاذبية غامضة لم تستطع كل المساحيق التي وضعتها أن تمنحها إياها...

غضضت بصري و انطلقت مسرعة في اتجاه الباب فاصطدمت بأمي التي كانت تهرول بين المطبخ و الطرقة ترجوني الانتظار بضع دقائق..بل دقيقة واحدة!...فالإفطار الذي تعده على وشك الانتهاء ..و لا يمكن أن أنزل من دون طعام...و صحتي التي تدهورت..و..و..و تركت ذلك اللحن المنساب من الرجاءات ورائي و أنا أتمتم بصوت عصبي غاضب عن كوني متأخرة بما فيه الكفاية و ليس لدي الوقت لمثل تلك الأمور...الطعام!!..

عند وصولي إلى العمل تلقيت الضربة الأولى..."لماذا تأخرت؟"...

و ما أن دخلت إلى الغرفة التي تضم مكتبي و مكاتب الزملاء حتى تلقيت الضربة الثانية.."لماذا تبدين شاحبة هكذا..هل حدث مكروه؟!"...

و لم تمض بضعة ساعات إلا و كنت قد تلقيت  الضربة الثالثة..."هل انتهيت مما طلبت؟..الاجتماع يبدأ بعد خمس دقائق.."!

ساعات أخرى و جاءت ضربة أخرى لم أعد أدري ترتيبها وسط كل ما أتلقاه...كان ذلك حين رن هاتفي المحمول نغمة  طالما كانت مصدر إثارة و فرحة عارمة في الماضي...تلك المكالمة التي كنت كثيراً ما أستدعيها في أحلام يقظتي، فتأتيني حلماً و تترفع عني في الواقع...أصبحت الآن تتكرر يومياً..بل ، وعدة مرات خلال اليوم الواحد!..ألم تكن تلك أمنيتي الوحيدة!؟..مالي لا أشعر بالسعادة إذن؟!...ضغط على زر الهاتف فأتاني صوت الرجل الذي أحب يتفقد أحوالي و يطمئن عليّ بصوته الحنون الذي يقطر حباً و اهتماماً...أجبته في اقتضاب و برود لأن اجتماعاً آخر كان سيبدأ في خلال دقائق...شعر هو بذلك و سألني إذا كان هناك ما يسؤني ..فأجبت أن لا..لا  شئ  محدد.."ربما يكون شئ اقترفته أنا؟..هل أغضبتك؟؟...هل فعلت شيئاً كدرك؟..أو ربما قلت شئ جرحك؟؟"..لا..لا..لا..لا...

تذكرت ساعتها نكتة أرسلها لي ذات مرة أحد أصدقائي عن كون النساء معقدات ، يستحيل على الرجال فهمهن ناهيك عن إرضاءهن...لابد أنه يعتقد أنني هكذا..ألعب دور المرأة حين لا يرضيها شئ!!

شعرت بالكلمات تتفجر على  لساني حين سالني إن كنت قد اتخذت قراراً نهائياً بشان تقدمه لخطبتي من والدي فأخذت أصيح به أن ذاك ليس وقتاً مناسباً أبداً لمثل تلك الأمور و أنه لا يمهلني الوقت الكافي و أنني مشغولة و بشدة و أنني و أنني و أنني...

حين أنهيت المكالمة كنت أشعر برغبة شديدة في البكاء...لماذا أتصرف هكذا؟..أردت أن أعاود الاتصال به..أن أعتذر له بشدة...أن أقول له كم أحبه و كم أنا مشتاقة لكي تبدأ حياتنا سوياً كشريكين...لكنني لم أفعل..إذ كان الاجتماع قد بدأ بالفعل...

بعد عدة دقائق أخرى، جاءتني رسالة قصيرة على هاتفي...ما أن قرأتها حتى شعرت أنني فجأة قد انتقلت إلى وسط صحراء جرداء لا زرع فيها و لا ماء..فقط زواحف مخيفة تحيط بي من كل جانب...و أنا أقف بلا قوى..وحيدة!..ألهث من التعب و العطش!....

كانت تلك الرسالة من أحدى صديقاتي تتساءل إن كنت قد نسيت شيئاً؛ تاريخ معين مثلاً..مر عليه أكثر من إسبوع الآن...في آخر الرسالة كتبت ألم تنسي عيد ميلادي مثلاً؟!...

نسيت أن أخبركم أن تلك الصديقة هي أعز صديقاتي على الإطلاق!!...اللعنة علي!!!..

لم يكن أمامي الآن سوى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه...

اندفعت خارج الغرفة و سط نظرات الحاضرين المتسائلة...حاولت الاتصال بها...هاتفها يرن لكن ما من مجيب...حاولت ثانية و ثالثة و رابعة.. و قبل محاولتي الخامسة كانت قد وصلتني رسالة أخرى منها تخبرني أنها لا تريد محادثتي بعد اليوم! و أنني لم أقدر صداقتها..واعتبرتها نقمة تثقل كاهلي بدلاً من نعمة يجب عليّ صيانتها!...

لم أتمالك نفسي من الدهشة!...كل هذا لأنني نسيت؟!..

لم أكد أفيق من الصدمة حتى فوجئت بفارسي يتحدث إلي عبر الأثير ليخبرني أنني لا أحبه كفاية و لا أقدر وجوده في حياتي و أنه لهذا يفضل الانسحاب بهدوء من حياتي حتى لا يسبب لي الإزعاج! و  قد تقرر سفره إلى الخارج في خلال يومين و قد قبل!!.....و قبل أن أتفوه ببنت شفه كان قد أنهى هو المكالمة....

قررت أن أذهب إليه بنفسي..و لكن ما أن استدرت حتى كان رئيسي في العمل يواجهني ليخبرني أن اندفاعي من الغرفة بهذه الطريقة أياً كانت أسبابي لا تليق و أنني كان يجب أن أقدر مسئولية المنصب الهام الذي أوكل إلي على صغر سني..و يبدو أنه قد وضع ثقته في من لا يستحقها لذلك فعلي أن أتخلى عن وظيفتي بهدوء و إلا...

لم أنطق بكلمة!...لم أدر ماذا أقول إن حاولت!...و قاطع محاولتي للتفكير رنين الهاتف مرة أخرى تلك النعمة التي حولت حياتي إلى جحيم كان أخي ..أخبرني أن أمي قد أصابتها أزمة قلبية فجأة و أنها في المستشفى في حالة حرجة!!!

شعرت بالأرض تميد بي و أحسست بالكرة التي تعلو جسدي و التي تلقت عدة ركلات اليوم تسقط و ترتطم بالأرض!..

لقد لعنت حياتي فتخلت حياتي عني كما هجرتني أحلامي من قبل!! ..كل تلك النعم التي جباني بها الله كل ما يحسدني عليه الآخرون كان عبئاً عليّ!...لقد فعلت ما هو أسوأ من الشعور بعدم الرضا..لم أنظر إلى ما هو ليس ملكي..لكنني تعاملت مع ما أملك بإهمال و تعال لا مبرر له!...

ليتني أستطيع أن أعيد عقارب الساعة إلى الوراء!!...

فقط أحتاج إلى عشر دقائق..!

عشر دقائق قبل أن تبدأ أحداث اليوم..!!

>> رنين المنبه<<

كابوس!!...و يا له من كابوس!!!!...كم استغرق يا ترى؟

عندما نظرت إلى أرقام الساعة على شاشة  هاتفي الذي كنت أحتضنه، كانت تشير إلى الثامنة و عشر دقائق!!!

حمداً لله!!

 

تمت

بقلم: مي أشرف حمدي

12-1-2004


 
 

© Maie Ashraf Hamdy 2004


 

 

The Egyptian Chronicles is a cooperative effort by a group of Egyptian authors pooling together their talents for the sake of Egypt's Future.  Articles contained in these pages are the personal views and/or work of the authors, who bear the sole responsibility of the content of their work. This Monthly Electronic Magazine is a non-profit, commercial free zone and is answerable to no one.
 
 


© Copyright 2003-2007
AL-YAWMIYAT AL-MISRIYAH

BACK  TO
THE SEPTEMBER 2007 ISSUE


 

PicoSearch

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY


 

 

  bot="HTMLMarkup" endspan