في عهد الرئيس السادات انهارت الصناعة المصرية ووصل الاقتصاد المصري إلي أدنى مستوياته. فاحتياطي العملة الصعبة تلاشى لدرجة أن وزير المالية كان يبحث في البنوك عن بضعة ملايين من الدولارات قد تكون منسية هنا أو هناك لدفع فوائد الديون المتزايدة. وكما ذكر وزير المالية في عهد السادات أنه تذكر أن هناك 4 مليون دولار في البنك باسم السادات تبرع بها احد أمراء الخليج للمجهود الحربي، فقام الوزير بسحبها لدفع جزء من فوائد الدين، وبسبب هذه الواقعة اتهم بعض الناس السادات وقتها بأنه يختلس نقود التبرعات العربية. هذه الواقعة تجسد حجم الانهيار المالي الذي كانت تعانيه مصر في ذلك الوقت. السؤال الآن هو: كيف ولماذا وصلت مصر إلى هذه الحالة المزرية؟ في حين أنه أيام إعادة بناء القوات المسلحة في عصر عبد الناصر لم تكن الحالة بهذا السوء.

دراسة الوضع المصري في ذلك الوقت يشير إلى أن السبب في ذلك التدهور لابد أن يرجع إلى إمكانيات السادات العقلية والثقافية والشخصية. لذلك إذا تمكنا من معرفة مفتاح شخصية السادات فسنعرف سبب التدهور الصناعي والاقتصادي في مصر.  

يمكن أن نلخص شخصية السادات كالآتي: رجل ميكيافلي جرئ مع نرجسية لا يدعمها مظهر أو جوهر، أي أنه باختصار يشبه طاووس بلا ريش. هنا الميكيافلية ليست بمعناها القبيح التي يمكن أن تدمر الآخرين في سبيل المصلحة. 

ربما اعترض معترض قائلاً: "لماذا اعتبرت أن شخصية السادات هي مفتاح معرفة سبب التدهور في عصره، بينما لم تقل ذلك في حالة عبد الناصر؟ ألم يكن عبد الناصر الآمر الناهي أثناء حكمه أكثر مما كان السادات؟ ولماذا كانت نرجسية و ميكيافلية السادات فقط هي المؤثرة في قراراته بينما لم تذكر أن شخصية عبد الناصر كانت أيضاً مؤثرة في قراراته؟   

في الحقيقة هذه اعتراضات وجيهة ويجب الرد عليها لتوضيح الأمور. عبد الناصر كان ثائراً قام بالثورة لتحقيق برنامج واضح بينت تفاصيله في عدة وثائق مثل فلسفة الثورة والميثاق، أما السادات فلم يكن له برنامج محدد. لذلك في عصر عبد الناصر كان برنامج الثورة يطبق، سواء اتفقنا على جدوى هذا البرنامج أم لم نتفق. من هنا كان تقيمنا لمرحلة عبد الناصر هي تقييم فكر وبرنامج، وحيث أن الأمور كانت في يد عبد الناصر، حُمِل هو مسؤولية عدم القدرة على تحديث الصناعة المصرية لتصبح قريبة من مستوي الصناعة في الدول المتقدمة. أما في حالة السادات فلم يكن لديه برنامج، ومن هنا كان المحرك الرئيسي لقراراته هي شخصيته وطموحاته وقدراته العقلية والثقافية وقناعته المتولدة من كل هذه العوامل. بذلك تصبح دراسة شخصيته هي المفتاح لتفسير كل ما حدث للصناعة المصرية.  

لكي نعرف شخصية السادات دعنا نتتبع سيرته. السادات من عائلة متوسطة، التحق بالكلية الحربية وتخرج منها ضابطاً. لكن يبدو أن طموحه كان أكبر من أن يكون ضابط في الجيش. لذلك اشتغل بالعمل السياسي السري حتى يبلغ ما يطمح إليه. هذا أدي إلى اشتراكه في مؤامرة اغتيال الوزير أمين عثمان. لكنه لم يكن من ضغط على الزناد، بل حاول بقدر المستطاع أن يبعد نفسه عن مسرح الجريمة. هذه الفعلة تكشف الجانب الطموح المغامر بحذر. كان السادات عضوا في الحرس الحديدي للملك وفي نفس الوقت كان من أعضاء الثورة ويبدوا أنه كان يمد الملك ببعض المعلومات عن الضباط الأحرار ولكن ليس بالدرجة التي تفشل الثورة. هذا يؤكد ميكيافلية السادات والتي لم تكن من النوع القذر وهذا يعني أنه كان أيضاً يحب بلده ويكره الإنجليز والمتعاونين معهم.  

في يوم قيام الثورة ذهب السادات إلي السينما وتعارك مع بعض الناس وأصر أن يثبت ذلك في محضر البوليس، فهل يعقل أن يذهب أحد المخططين للثورة السينما قبل ساعة الصفر بثلاث ساعات. التفسير المنطقي لهذا التصرف هو أنه كان يريد أن يحتاط عند فشل الثورة، كما فعل عند مقتل أمين عثمان. هذا يدعم رأينا أن السادات كان يعمل لطموح شخصي أكثر منه لفكرة يؤمن بها.

بعد نجاح الثورة تغير أسلوب السادات. فبعد أن كان ثائراً على الظلم والفساد والإنجليز استمر قي الحكم مهادنا عبد الناصر وارتضي من المهام أقلها بريقاً ونفوذاً علي أن يبقى من رجال السلطة. لم يعترض على ما كان يراه من مساوئ في النظام. لو كان المبدأ هو الأهم لاختلف مع عبد الناصر كما اختلف معه بعض أعضاء الثورة مثل خالد محي الدين.  

بعد وفاة عبد الناصر كان أول شيء أعلنه هو أنه سيسير على خط عبد الناصر. بعدها أكتشف الشعب أن هذا الوعد ليس صحيح لدرجة أنهم وصفوا مقولته بأنه "يسير على خط عبد الناصر بأستيكة (ممحاة)؟. بعد أن استتب الأمر له قام بتغيير نهج مصر كلية، انتهج سياسة الانفتاح الفوضوي بدلا من التخطيط المركزي؛ عادى الروس الذين كانوا يساعدونه وتصادق مع الأمريكان الذين كانوا يساعدون عدوه؛ تصالح مع الإسلاميين وعادي الوطنيين والاشتراكيين؛ ترك أعداء عبد الناصر ليهاجمون الثورة ومبادئها، في حين أودع خصومه السجن حينما انتقدوه. هذه القرارات كانت كارثية: أضعفت مصر وكانت ستؤدي إلى إفلاس البلد. السؤال الآن هو لماذا انقلب السادات 180 درجة علي مسيرة الثورة التي شارك فيها والتي يستمد منها شرعيته؟  

التفسير المقبول لهذا التصرف هو أن السادات تصرف كما تصرف كثير من الحكام من قبل عندما يرثون زعيم كارزمي توفي قبل أن يحقق أهدافه أو تعثرت مسيرته. في هذه الحالة الحكام الجدد ينظرون إلي الأمور بمنظور مفهوم المخالفة وهو "إن أدي عمل ما إلي نتيجة ما فعكس العمل يؤدي إلي عكس النتيجة". اعتقد السادات أن الاشتراكية هي سبب الفشل فآمن أن الرأسمالية هي الطريق إلى النجاح؛ تصور أن القطاع العام الموجه هو سبب البؤس فاعتقد أن القطاع الخاص الحر هو الأمل في الرفاهية؛ تخيل أن التخطيط المركزي هو المشكلة فسكن في قراره أن الانفتاح الفوضوي هو الحل؛ توهم أن الروس هم سبب عدم حل المشكلة مع إسرائيل فراهن على أن مفتاح الحل مع أمريكا.  

بقراءة التاريخ نجد أن هناك حكام تصرفوا مثل السادات وكانت نتيجة تصرفهم مثل نتيجة تصرف السادات. مثلا، الخديوي عباس الأول فعل مثل السادات فقام بعكس كل قرارات محمد علي التقدمية فكانت النتيجة انهيار مصر واحتلالها. كذلك فعلها جربوتشوف في الإتحاد السوفيتي بالرغم أنه امتداد لبرجنيف. جربوتشوف لم يتعلم من فشل السادات بل قلده في مسألة الانفتاح فكانت النتيجة انهيار الإتحاد السوفيتي أقوي دولة في العالم. أي أنه في كل هذه الحالات النتيجة واحدة: انهيار الوضع الاقتصادي وفقدان الدولة هيبتها داخليا وخارجيا. هذا الخطأ الكارثي لا يقع إلا من دكتاتور محدود الثقافة معجب بنفسه فلا يسمح لمستشار أن ينصحه ولا يجد مخزون ثقافي يستعين به ولا يشعر حتى بهاجس يدفعه إلي توخي الحذر.

السادات أعلن أنه يسير على خط عبد الناصر حتى يعطي نفسه الشرعية، ثم خاض حرب أكتوبر بتجهيزات وخطة عبد الناصر و أنكر دور عبد الناصر و حتى دور من خطط للحرب وقادها وهو الفريق الشاذلي. ولكن لأنه مغامر شن الحرب والتي بسبب تدخله كانت ستؤدي إلى كارثة أكبر من كارثة 67، اقرأ كتاب الفريق الشاذلي المنشور في هذه الجريدة في أعداد سابقة. بعد حرب أكتوبر زادت نرجسية السادات وبدأ يؤمن بنظريات و يصدق أنه هو الذي اخترعها. كان أولها أنه انتصر في حرب أكتوبر بدون مساعدة السوفيت، وهذا ليس صحيحاً. وثانيها أن الانفتاح سيأتي بالرخاء وهذا لم يحدث. وثالثها أن الصدمة النفسية والعصبية التي أحدثها في العالم بزيارته لإسرائيل هي التي أجبرت إسرائيل على توقع صلح مع مصر وهذا غير صحيح لأنه يفترض أن زعماء إسرائيل هم قوم من السذج الذين لا يفقهون قولاً. 

من هنا نقول أن السياسة الخارجية والاقتصادية والصناعية في عصر السادات كانت محكومة بعقلية وسيكولوجية السادات ولم تكن هناك خطة للنهوض بالصناعة في مصر. لذلك وجدت مصر نفسها تحت وطأت ديون خارجية وصلت إلي ما يقرب من 50 بليون دولار في الثمانينيات ولولا إعفاء جزء كبير من ديون مصر بعد حرب الخليج الأولى والمساعدات الأمريكية لأعلنت مصر إفلاسها وفرض عليها الوصاية. كثير من المصريين لا يدرك ذلك لكنها الحقيقة المرة، فهل تمكن مبارك من تصحيح ما أفسده السادات وما لم يستشرفه عبد الناصر؟ هذا هو موضوع المقال التالي

 
 

 

 
 
 


 

© Ibrahim Abdel-Motaleb 2006


 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY