يعتبر الرئيس جمال عبد الناصر أعظم رئيس حكم مصر في تاريخها الحديث. ربما يختلف البعض معه، لكن حجم تأثيره على النظام السياسي والاجتماعي في مصر والعالم لا يقل عن تأثير محمد علي على مصر ومنطقة الشرق الأوسط أو تأثير نابليون على مصر وأوربا في بداية القرن التاسع عشر. أوجه الشبه بين هؤلاء الرجال كبيرة لدرجة أنك لو أبدلت أحدهم مكان الآخر لما اختلفت النتيجة.

أول أوجه الشبه بين هؤلاء هو أنهم عسكريون محبوبون من عامة الشعب، قاد كل منهم بلده نحو تغيير جزري غير مجري الحياة فيها. لذلك يعتبر كل واحد منهم أنه قد دشن بداية عصر جديد غير موازين القوى في منطقته. هذا التشابه بينهم لا يمنع وجود خصوصية لكل منهم ساعدته على بلوغ ما بلغ. فمحمد علي مثلاً كان داهية استطاع استمالة قلوب أعيان مصر لكي يفرضوه والي على مصر. بعد ذلك استطاع أن ينال شبه استقلال عن تركيا. أما نابليون فكان عبقرية عسكرية لا يجود التاريخ بمثلها إلا كل ألف عام، فهو ثالث عبقرية عسكرية في تاريخ البشر بعد الإسكندر الأكبر المقدوني وهانيبال القرطاجي. أما عبد الناصر فهو ثوري من الدرجة الأولى، خطط ونفذ لثورة غيرت وجه العالم الثالث. عبد الناصر لم يتربع على السلطة بتعين من سلطان، مثل محمد علي، ولم يركب موجة ثورة كانت قد قامت ونجحت مثل نابليون، بل كان هو المخطط والمنفذ للثورة. هذا بالإضافة إلى أن جمال عبد الناصر كان طاهر اليد غير قابل للإفساد (incorruptible)، كما ذكرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

كل منهم غير بطريقته الخاصة السُلم الاجتماعي في بلده. محمد علي فتح الباب أمام المصريين لتولي مناصب ومهام مهمة أدت في النهاية إلي تمصير الحياة السياسية والاجتماعية في مصر بعد أن كانت الطبقة السياسية والاجتماعية المسيطرة من قبل مقصورة على العثمانيين و المماليك. لولا محمد لما انتهي عصر المماليك إلي غير رجعة. أما نابليون فأنهي إلى الأبد سيطرت طبقة النبلاء في أوربا. لقد فتح الباب أمام كثير من عامة الشعب في مناصب عليا في الجيش والإدارة. فتح الباب أمام المواهب من غير طبقة النبلاء وساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات فأعاد البنية الاجتماعية لفرنسا. تجد مثلاً أنه قام بترقية بعض الجنود برتبة رقيب إلى رتبة جنرال بسبب كفاءتهم، بالرغم أنهم كانوا من عامة الناس. ما كان بإمكان هؤلاء الجنود الوصول إلى هذه المراتب في المناصب لولا نابليون. حول نابليون عامة الشعب من رعايا (subjects) إلى مواطنين ذو سيادة (sovereigns). أما عبد الناصر فحرر البلد من الاستعمار وقضى على الإقطاع وحول كذلك الشعب من رعايا عبيد إحسانات العائلة المالكة والإقطاعيين إلى شعب ذو سيادة. ولكي يكرس هذه السيادة فتح التعليم لكل فئات الشعب وخلق جيل من المتعلمين لقيادة النهضة في مصر. الطبقة الحاكمة الآن هي من الجيل الذي فتح له عبد الناصر التعليم في كل مراحله بعد أن كانت في معظمها من طبقة الملاك. بالرغم من فساد الطبقة الحاكمة الآن في مصر، فهذا فساد فردي وموجود في كل الطبقات كما هو الحال في الدول الغربية. أي أنه ليس فساد طبقي مثل فساد طبقة النبلاء مثلاً. الفساد الطبقي يتحول إلي حق لهذه الطبقة تدافع عنه ولا تتخلى عنه طواعية. الفساد الطبقي يخلق له شرعية مثل حقوق طبقة النبلاء أو المماليك أو العائلة المالكة أو الكهنة ورجال الدين.

كان الثلاثة إصلاحيين ذوي رؤى إصلاحية محددة ومدروسة. محمد علي نظم الجيش والدولة بطريقة عصرية نقلت مصر إلى نهضة حضارية لم يصل إليها كثير من شعوب العالم إلا بعد قرن ونصف من الزمان. بل يمكن القول أن هذه النهضة كانت الأساس الذي بنى عليه العرب وكثير من المسلمين صحوتهم فيما بعد.

أما نابليون فقد بني الدولة الفرنسية الحديثة ووضع لها دستور مدني حديث (Code Napoléon) هذا الدستور تبنته كثير من الدول مثل إيطاليا وأسبانيا ومصر وبعض دول أمريكا اللاتينية وولاية لويزيانا الأمريكية وولاية كيبك الكندية. نابليون لم يساهم فقط في نهضة فرنسا الحضارية بل ساهم في نشر مبدأ الحرية والعدالة في كثير من دول العالم. الجدير بالذكر هنا أن نوضح أن مبادئ الحرية والمساومات كانت مدونة في الدستور الأمريكي قبل بزوغ نجم نابليون، ولكن أمريكا كانت بعيدة ومنعزلة عن العالم القديم. لذلك تأثير أمريكا لم يشعر به العالم القديم إلا في بداية القرن العشرين ثم أصبح بعد ذلك هو المهيمن بعد الحرب العالمية الثانية.  

 أما عبد الناصر فقضى على تحالف ثلاثي تشابكت مصالح أعضائه مع بعضها، ولم تكن مصلحة الشعب حاضرة إلا بالقدر الذي يخدم مصالح هذا التحالف. هؤلاء الثلاثة هم الإنجليز والقصر والأحزاب التي تمثل الإقطاعيين. كلنا يعلم كيف كان الملك والإنجليز يحاربون طلعت حرب. كلنا يعلم كيف فرض الإنجليز النحاس باشا كرئيس للوزراء بعد أن كان عدوهم. كلنا يعلم كيف كان الإنجليز يتآمرون مع الملك ضد الوفد ثم كيف تآمروا مع الوفد ضد الملك وكل هذا على حساب الشعب. التحالف بين الثلاث مثل التحالف بين المماليك والعثمانيين. فكما كان حلف المماليك والعثمانيين لا يستطيع كسره إلا شخص في ذكاء محمد علي، كذلك كانت التحالفات بين الملك والإنجليز أو الإنجليز والأحزاب السياسية يصعب كسرها إلا من شخص في ذكاء عبد الناصر. أذاب عبد الناصر الفوارق بين الناس، ليس فقط بمرسوم منع الألقاب المدنية ولكن بتثبيت ذلك على أرض الواقع بإتاحة التعليم للجميع و فتح فرص متكافئة أمام جميع أفراد الشعب.  ما فعله عبد الناصر ما كان ليحدث من تلقاء نفسه نتيجة التطور الاجتماعي الطبيعي مهما ادعي أعداء عبد الناصر وذلك نتيجة  للتحالفات التي كانت قائمة والتي خلقت لنفسها شرعية تمكنت بها أن تزيح أعدائها أو أن تجذبهم لها. الوفد كان حزب الشعب وضد الإنجليز لكننا وجدناه يتحالف مع كبار الملاك والإنجليز. أصبح الوفد في الأربعينيات من القرن الماضي يستمد شرعيته من كبار الملاك وليس من عامة الشعب وهذا ما جعل الشعب يلتف حول الثورة عند قيامها ويترك الوفد.

وجه الشبه بين العمالقة الثلاثة لم يقتصر فقط على إنجازاتهم بل وصل إلي تشابه قدراتهم العقلية والنفسية. الثلاثة كان لدبهم قدرة فائقة علي قراءة الماضي واستيعابه لتغير الحاضر. ألثلاثة أيضاً فشلوا في استشراف المستقبل. لذلك تجد أن مسيرتهم متطابقة. الثلاثة خططوا ونجحوا في البداية نجاح فاق التصور وأذهل الجميع. هذا النجاح شجع ثلاثتهم على انتهاج الحكم الفردي، ولما لا، أليست لديهم قدرات تفوق قدرات الآخرين؟ أليس من الطبيعي أن يُترك للناجح أن يقود الآخرين؟ الثلاثة أيضاً أصابتهم الهزائم وماتوا وهم في قاع الهزيمة. 

لو نظرنا لوجدنا أن أسباب الهزيمة واحدة وبنفس الطريقة. السبب في النهاية يمكن أن نعزوه إلى عدم قدرتهم على استشراف واستشفاف المستقبل. أما الهزيمة فكانت متماثلة، لم تكن من الداخل بلا كانت بقوى من الخارج. الهزيمة من الداخل تكون بسبب ضعف الحاكم ووجود فراغ في السلطة، أما الهزيمة من الخارج فتكون بسبب الفشل في استشراف المستقبل ومتغيراته والاستعداد له.  هذه النقطة سنوضحها أكثر عند حديثنا عن الجانب الصناعي في القضية. في النهاية القدرات الصناعية لأي بلد هي التي تخلق القدرات العسكرية التي بها يتحقق النصر.

 قدرة عبد الناصر على استيعاب الماضي مكنته من معرفة أسباب فشل ونجاح التجربتين الصناعيتين السابقتين: تجربة محمد علي وتجربة طلعت حرب. أدرك عبد الناصر أن نجاح الجيش المصري أيام محمد علي يرجع إلي تبني الدولة إنشاء مصانع حربية متطورة واستجلاب الخبرة الأجنبية لإدارة هذه الصناعات، في نفس الوقت الذي أرسلت فيه بعثات للطلبة المصريين لاكتساب العلم والخبرة في الخارج لإحلالهم محل الأجانب مستقبلاً. لكنه أدرك أيضاً أن إهمال الصناعات المدنية كان أكبر أخطاء محمد علي. أدرك عبد الناصر من تجربة طلعت حرب أن بناء مصانع لتصنيع مستلزمات البلد بدلاً من الاعتماد على الخارج هو شيء أساسي لضمان استقلال البلد. لكنه أدرك أن ترك عملية التصنيع للقطاع الخاص لن تؤدي إلي تصنيع البلد بالصورة التي يحقق بها الاكتفاء الذاتي. لذلك قام عبد الناصر بدمج التجربتين: أنشأ المصانع الحربية واستقدم بعض العلماء والمهندسين الألمان، الذين لا يجدون عمل بسبب ارتباطهم بألمانيا النازية، للعمل في المصانع الحربية لتطوير صناعة مصرية حربية. ثم أنشأ القطاع العام لتولي الصناعات المدنية الثقيلة مثل صناعة السيارات والحديد والصلب والصناعات الكيماوية وغيرها والتي ربما لن يقدم على إنشائها القطاع الخاص.  

 هذه الطريقة التي بدأها عبد الناصر نجحت في البداية لدرجة أنها أخافت إسرائيل. بدأت المنتجات المصرية تنزل السوق ويشتريها المصريين بدلاً من المنتجات الأجنبية. قامت مصر بتصدير فوائضها الصناعية للخارج. صدرت الأقمشة والسيارات والحديد والأسمنت. بدت التجربة المصرية وكأنها التجربة الرائدة في العالم الثالث والتي فكرت كثير من الدول في اقتنائها. وفعلاً قامت كثير من الدول بالسير على نفس التجربة في العالم العربي والعالم الثالث. أستمر النجاح لفترة ثم لوحظ انخفاض الجودة ثم ترديها ثم تخلفها عن مثيلاتها من الدول الأخرى. لقد بات واضحاً بعد ذلك فشل التجربة المصرية الصناعية.

هناك تفسيرات عدة لسبب فشل التجربة، منها الحكم الفردي ومنها الفساد ومنها طبيعة القطاع العام. لكن يجب أن نعرف مثلاً أن كوريا وتايوان نهضوا صناعيا في ظل الحكم الفردي. أما الفساد فموجود بدرجات متفاوتة في كثير من الدول الصناعية التي لم تفشل تجربتها. أما تفسير الفشل بأنه نتيجة حتمية لطبيعة القطاع العام فيكفي أن نعلم أن كثير من الصناعات المتطورة في فرنسا وألمانيا وإنجلترا قطاع عام ولم تفشل التجربة الصناعية عندهم. مما لاشك فيه أن الفساد والحكم الفردي يؤثران سلبا على التنمية الصناعية لكن التجربة الصناعية كان يمكن أن تنجح كما نجحت تجارب أخرى تعاني من نفس المشاكل.

 الواقع أن سبب فشل تجربة عبد الناصر الصناعية هو عدم تمكنه من استشراف تأثير حدث وقع في أمريكا في عام 1948 على الصناعة في المستقيل. لو أدرك عبد الناصر أهمية هذا الحدث لكانت مصر الآن في وضع أفضل من وضع كوريا الجنوبية. في عام 1948 أعلن العلماء براتن وباردين و شوكلي (Walter Houser Brattain, John Bardeen, and William Bradford Shockley) اختراع الترانزستور. في عام 1952 أصبح واضحاً أن هذه الصناعة سوف تغير وجه العالم. لم يدرك عبد الناصر أهمية هذه الصناعة وتعامل القائمين على الصناعة كقطعة غيار في ماكينة. لذلك كان التعامل مع هذه الصناعة هو استيراد هذه القطع من الخارج وتجميعها لتصنيع أجهزه إلكترونية. تم إنشاء شركات تجميع إلكترونية مثل شركة بنها للإلكترونيات أو شركة النصر واقتصر عملهم علي تجميع أجهزة مثل التليفزيون أو التليفون.  

الفشل في إدراك أثر الصناعة الإلكترونية في مستقبل المشروع الصناعي المصري أصاب الصناعة المصرية بطعنتين قاتلتين. ألأولى هو عدم القدرة على تصميم وتصنيع منتجات حديثة متطورة ذات قدرة تنافسية (competitive innovative products). الثاني هو عدم القدرة على تصنيع خطوط إنتاج بالقدرات المحلية والتي كانت لازمة للقيام بعملية الإحلال والتجديد للمصانع بتكلفة تنافسية وبالسرعة المطلوبة لزيادة رقعة السوق.

حينما طبق طلعت حرب خطة استيراد المصانع من الخارج للتصنيع المحلي كان العمر الافتراضي لهذه المصانع يصل إلى خمسين عاماً، خلال هذه الفترة كل ما يحتاج المصنع إليه هو الصيانة العادية. لذلك لم يدرك طلعت حرب الأهمية الحيوية لإنشاء صناعات أساسية مثل المحركات وخطوط الإنتاج والتصميم. كذلك عبد الناصر لم يستطيع قراءة المستقبل ليدرك أن العمر الافتراضي للمصانع سيقل عاماً بعد عام نتيجة تزايد وتيرة التحديث للمصانع بسبب الثورة الإلكترونية. عدم وجود صناعة إلكترونية حقيقية في مصر أجبرها على استيراد هذه المصانع من الخارج ثم إحلالها بعد فترة قصيرة قبل أن تغطي تكلفتها. عندما قلت العملة الصعبة و عجزت الدولة عن تجديد المصانع بدأت الجودة تقل والمصانع تخسر والبطالة المقنعة تزيد والبلد تتأخر.

 كلنا يعلم أن معظم الربح أو الثروة العائدة إلى البلد تأتي من القيمة المضافة للسلعة. لكن معظم المصريين، بما فيهم صناع القرار، لا يدركون أن عجز البلد عن إضافة هذه القيمة سببه عدم وجود صناعات إلكترونية حقيقية لكي نتمكن من تصميم أنواع جديدة من المنتجات أو تصميم وإنتاج خطوط إنتاج ذات كفاءة إنتاجية عالية يمكن بها أن ننافس الخرج. هذا يوضح مدى الهوة التي سقطت فيها البلد والتي لا يمكن لها الخروج منها مهما حاول وزراء الصناعة أن يقنعونا بغير ذلك.

 في نهاية عصر عبد الناصر بدأت الأزمة الصناعية تظهر ثم حدثت نكسة 1967 وبدلاً من أن تكون حافزاً للإصلاح الصناعي أصبحت عائقاً أمام التطور الصناعي. فشل مشروع عبد الناصر الصناعي نتيجة لفشله في استشفاف المستقبل. كذلك فشل محمد علي نتيجة لفشله في إدراك أن الإصلاح الاجتماعي والصناعات المدنية هما الركيزتان اللتان بدونهما لا تستطيع دولة أن تحقق وتحافظ على النصر. كذلك نابليون فشل في إدراك أنه بدون الديمقراطية لا يمكن أن ينافس دول ديمقراطية مثل إنجلترا، بالرغم من أنه هو القائل "أن الدول التي لديها ثقافة أعلى هي التي تنتصر في النهاية." بنفس الطريقة نجح العمالقة الثلاثة وبنفس الطريقة فشلوا.

إن كان مشروع عبد الناصر الصناعي قد فشل، فماذا فعل السادات لتطوير الصناعة المصرية؟ هذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة

   

  

 


 


  

© Ibrahim Abdel-Motaleb 2006


 
  

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY