بعد الحرب العالمية الأولى أدرك المصريون حجم الاستغلال الذي تتعرض له مصر من إنجلترا وكيف أن بريطانيا جعلت مصر مجرد مزرعة قطن لتغذي المصانع الإنجليزية بالقطن الخام. أدرك المصريون ذلك عندما سمحت إنجلترا بقيام بعض المصانع في مصر لخدمة المجهود الحربي أثناء الحرب نتيجة لانشغال المصانع البريطانية بإنتاج السلاح اللازم للمعارك. نجحت المصانع المقامة في مصر وكانت الجودة لا تقل عن مثيلاتها في بريطانيا. هذا شجع الاقتصادي المصري العظيم طلعت حرب لطرح وتنفيذ فكرة إنشاء صناعة وطنية مصرية في مصر حتى تتحرر البلد من سيطرت الدول الأوربية ومنع المساس بمقدرات مصر والإضرار بمصلحتها القومية.

 عندما بدأ طلعت حرب تنفيذ فكرته، حورب من البنوك التي كان معظمها مملوك للأجانب. ولما أدرك أن هذه البنوك لن تساعد مصر لإنشاء صناعاتها الوطنية، قرر إنشاء بنك مصر لتمويل مشروعاته. هذه المشروعات وخاصة بنك مصر غيرت مستقبل مصر كثيراً وقفزت بصناعاتها إلى مستويات لم تكن معروفة في دول العالم الثالث.

كانت فلسفة طلعت حرب كالآتي: بدلاً من تصدير المواد الخام مثل القطن لأوربا بمبالغ زهيدة ثم استيراد المواد المصنعة مثل القماش بمبالغ باهظة، تقوم مصر ببناء مصانع لهذه الصناعات على أرضها. بذلك يتوقف نزيف ألأموال إلي الخارج و ينمو الدخل القومي وتتحرر مصر من الضغوط الخارجية. هذه الفلسفة هي أقرب إلى المسلمات التي يدركها معظم الناس، لكن لم يكن أحد غير طلعت حرب لديه التصور الذي يمكن به تحقيق هذه الفلسفة.

حققت فكرة طلعت حرب نجاحاً باهراً بالمقارنة بما كانت عليه مصر قبل الحرب وبالنظر إلي التحديات التي واجهته من المحتل والقصر ومن المصريين الموالين لهما. نجح طلعت حرب ليس فقط في الصناعات التقليدية مثل النسيج ولكن في صناعات أخري مثل السينما التي وصلت الي قمة نضوجها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. بل يمكن القول أن صناعة السينما المصرية اقتربت كثيراً من صناعة السينما الأمريكية.

المتتبع لتطور الصناعة المصرية يدرك أن مصر ظلت دولة متأخرة صناعياً بالرغم من تجربة طلعت حرب. ظلت بعد 30 سنة من بدء التجربة دولة زراعية من دول العالم الثالث مع وجود بعض الصناعات الاستهلاكية.

ألسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان طلعت حرب نجح في مخططه وتمكن من إنشاء كثير من الصناعات وأنشأ لها بنك لتمويلها، فلماذا ظلت مصر دولة غير متقدمة صناعياً؟

قبل أن نقيم تجربة طلعت حرب يجب ألا نظلمه فهو لم يتملك مقاليد السلطة بل كان مجرد رجل من أفراد الشعب أراد بإمكانياته الذاتية أن يقيم مشروع قومي. وبدل أن تساعده الدولة وقف له المحتل والقصر بالمرصاد.

لكننا هنا نريد أن نقيم التجربة أو الفلسفة التي قامت عليها. الواقع هو أن تجربة طلعت حرب أو فلسفته غير مؤهلة لجعل مصر أو أي دولة أخرى أن تتقدم صناعياً كما تقدمت الدول الغربية.  ألسبب في ذلك هو أن فكرة طلعت حرب معتمدة على افتراض أن رجال الأعمال أو القطاع الخاص قادر أو مستعد لخلق وقيادة نهضة صناعية إن تركت لهم الحرية في العمل. هذه الفرضية ليست فقط غير واقعية بل هي ضد سنن الكون وعكس طبائع البشر.

طبائع البشر وسنن الكون تقول أن ما يهم رجل الأعمال في المقام الأول هو تحقيق الربح، وكل ما يفعله رجل الأعمال من أعمال خيرية أو أعمال للمصلحة العامة هو في النهاية مسخر لتحقيق أكبر قدر من الربح. كلنا يدرك أنه لو وَجد رجل أعمال أن إنشاء مصنع للزبالة سيدر عليه ربحاً قدره 20% في حين إنشاء مصنع طائرات سيربحه 5% فقط، فإنه لن يتردد لحظة في أن يقيم مصنع الزبالة وينسى مصنع الطائرات.

هذا ليس ذماً في رجال الأعمال، بل هذا هو ما يجب أن يكونوا عليه و إلا أفلسوا وأفلسوا البلد معهم. لذلك رجال الأعمال والقطاع الخاص غير مؤهلين للنهوض بالدولة صناعياً، لأن كثيرا من خطوات التنمية الصناعية تنطوي على مغامرة بالإضافة إلى أنها مكلفة جداً في البداية، لذلك هي ضد مصلحتهم على المدى القصير وإن كانت في مصلحتهم على المدى الطويل. غالبية رجال الأعمال تعمل بالمثل المشهور "إحيني إنهاره وموتني بكره" ولهم حق في ذلك. من هنا ندرك أنه ليس من المنطق أن يدخل رجل أعمال في مشروع غير مضمون النتائج، مثل تنمية صناعة محلية، في حين يترك ربح كبير مضمون لو قام ببيع منتج من الخارج معروف ومطلوب. إن فعل أحدهم ذلك، فلن يفعله غالبيتهم.

ربما يعترض معترض على ذلك معطياً دول الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، دليلاً على أن القطاع الخاص يمكن أن يطور البلد صناعياً وأن الذي يفشل التنمية هو التدخل الحكومي كما حدث في كثير من دول أوربا الشرقية.

هذا القول في رأيي ليس صحيحاً كلياً. أولاً القطاع الخاص لم يطور أمريكا أو الغرب صناعياً. الحكومات هي التي فعلت ذلك، ليس فقط بسن قوانين لتشجيع الاستثمار لكن بالدعم المالي الكامل. 

فمثلاً بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية في عام 1865 كان أول شيء رأت أن تفعله الحكومة الأمريكية هو تطوير صناعات جديدة. لذلك قامت بإنشاء عشرات الجامعات بمعدل جامعة لكل ولاية وأعطت هذه الجامعات منحة من ألأرض تقدر بحوالي 11 مليون فدان للقيام بالتدريس والبحث في العلوم الزراعية والميكانيكية. هذه الجامعات يطلق عليها اسم  Land Grant Universities. كثيراً من هذه الجامعات كانت تسمى (A&M) أو (Agriculture & Mechanical) لأن هذان التخصصان كانا هما مهمتهما الرئيسيتين. من هنا جاءت تسمية بعض الجامعات مثل (Texas A&M University). في عام 1890 أعطيت كل جامعة من هذه الجامعات 15 ألف دولار بزيادة 1000 دولار كل عام. ثم زيد ما تقاضته كل جامعة إلي 50000 دولار في عام 1907. كان من شروط المنحة المقدمة للجامعات أن لا تقوم بعمل أبحاث سرية، بل يجب أن تنشر كل ما قامت به من أبحاث وذلك حتى يستفيد الجميع من الأبحاث ويشارك في التنمية.

ألدعم لم يكن فقط للأبحاث بل كان لصناعات جديدة. مثلاً دعمت الحكومة الأمريكية صناعة الطيران حتى قبل نجاح الأخوة رايت في صنع أول طائرة. دعمت الحكومة تجارب الطائرات الشراعية (Glider) في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل العشرين. حتى في أثناء الحرب الأهلية دعمت الحكومة تجارب علي السفن الحديدية (Ironclad)  والغواصات وغيرها من الصناعات.

الآن تدعم الحكومة ألأمريكية التجارب الصناعية بمئات الآلاف من ملايين الدولارات بطريقة مباشرة. أنا نفسي أقوم سنوياً بتقييم العديد من العروض (proposals) مقدمة من الشركات الأمريكية للحكومة الفدرالية لتنمية صناعات جديدة. وبناء علي توصية لجنة التقييم، التي أنا عضو بأحدها، تمنح هذه الشركات الأموال ألازمة لتنمية الاختراعات المقدمة. حتى الشركات العملاقة، مثل بوينج (Boeing) و إير بص (Airbus)، فإن حكوماتهم تنفق عليهم البلايين لتطوير صناعاتهم.

لذلك القول بأن القطاع الخاص يمكن أن ينمي دولة صناعيا هو قول مبالغ فيه. يمكن للقطاع الخاص أن يخترع اختراع أو ينمي صناعة هنا أو هناك، ولكنه لا يتحمل تكلفة تنمية مجتمع بالكامل. يلاحظ أن الدول التي تنفق أكثر علي تطوير الصناعة هي المتقدمة صناعياً. أما من ترك القطاع الخاص للقيام بالمهمة ففشل حتى في جمع القمامة واستعان بشركات أجنبية لجمعها.  

أما التجربة الصناعية في الدول الشرقية فهي تدعم القول بأن الحكومات هي التي يجب أن تتولى التنمية الصناعية وليس القطاع الخاص. ألدليل على ذلك هي التجربة الروسية. بدأ ستالين تصنيع روسيا بدعم من الدولة في عام 1933 وأصبحت روسيا في أقل من 20 عاماً دولة عظمي. أما الفشل الذي أصاب التجربة بعد ذلك فليس لأن الدولة تولت برنامج التنمية ولكن لأن الحكومة قتلت القطاع الخاص والذي له دور حيوي في خطة التنمية. هذا فرض على الدولة تولي نشاطات ليست لديها الكفاءة لإدارتها: مثل التسويق. هذا بالإضافة إلي سوء الإدارة والفساد الذي لم تتمكن الحكومات من القضاء عليه لأنها هي التي خلقتة. يجب هنا أن ننوه بأنه بالرغم من فشل النظام السياسي السوفيتي، إلا أن روسيا ما زالت تعتبر دولة صناعية من الطراز الأول.  

 

من هنا يمكن القول أن تجربة طلعت حرب لتصنيع مصر كدولة كان محكوم عليها بالانهيار بغض النظر عن إخلاصه ووطنيته التي لا يشكك فيها أحد. أما مشروعاته كرجل أعمال فهي غاية في النجاح ولقد أسهمت في تطور الحياة الثقافية والاقتصادية لمصر.

إن كانت تجربة طلعت حرب لم تؤدي إلى الغرض المنشود، فهل تمكنت حكومة الثورة من تلافي الخطأ في تجربة طلعت حرب. وإن كان الأمر كذلك فلماذا لم تصبح مصر دولة صناعية بعد قيام الثورة؟ هذا ما سنناقشه في الحلقة القادمة

  


 
 

 

 

© Ibrahim Abdel-Motaleb 2005


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY