بعد مرض محمد علي حكم أبنه إبراهيم لعدة أشهر، بعدها تولى الحكم الخديوي عباس حلمي الأول الذي أعقبه الخديوي سعيد ثم إسماعيل ثم توفيق ثم عباس حلمي الثاني. الفترة بين عباس حلمي الأول و عباس حلمي الثاني هي حوالي 75 عاماً. بعد تولي عباس حلمي الأول السلطة قام بهدم كل ما قام به جده محمد علي من تطور: فقام بإغلاق المدارس والمصانع والمرافق الصحية. بذلك تدهورت حالة مصر الصناعية وضاعت إنجازات محمد علي.

 

يمكن أن نحصل علي صورة حقيقية للحالة الصناعية في مصر بعد محمد علي، وذلك بأن نفحص ونقيم المعروضات التي شاركت بها مصر في معرض الصناعات الدولي المقام في لندن في عام 1851. قامت الجمعية الملكية للفنون بإنجلترا بتنظيم معارض للصناعات لإحساسهم بتندي مستوي التصميم للصناعات البريطانية. هذه الجمعة هي جمعة خاصة كانت تقيم هذه المعارض لتشجيع الصناعات الإنجليزية وزيادة قدرتها التنافسية وتنميتها بالإضافة إلي تبادل الأفكار والخبرات بين الشركات والهيئات المشاركة في المعرض. في هذه المرة دُعِيَ لهذا المعرض بعض الدول الأجنبية ومنها مصر. أشتمل المعرض على 30 جناح كلها تقع تحت واحد من الأقسام الستة التالية:  (1) المواد الخام، (2) الآلات، (3) المنسوجات، (4) المنتجات المعدنية والسيراميك، (5) الفنون الجميلة، (6) صناعات متنوعة. اشتركت مصر في هذا المعرض بعدد كبير من المعروضات. وكما هو متوقع غالبية هذه المعروضات كانت تقع تحت قسم المواد الخام مثل المعادن والمواد الزراعية كالقطن. أما المواد المصنعة فكانت من نوعية القماش، ملابس الجنود، أشرعة المراكب، سروج الخيل المطعمة بالذهب، هذا بالإضافة إلى 165 كتاب بالعربية والتركية والفرنسية صادرة من مطبعة بولاق.

 

حصلت مصر علي ميداليات وشهادات تقدير لمنتجات تقع تحت التصنيفات التالية: التصنيف الثالث: مواد تستخدم في الطعام؛ التصنيف الرابع: خضروات ومنتجات حيوانية؛ التصنيف السابع عشر: ورق ومطبوعات وتجليد كتب. هذه الكتب كانت من  المطبوعات التي طبعت في مطبعة بولاق حتى عام 1843. كان عدد العناوين المعروضة في المعرض (165) هو حوالي ثلثي المطبوعات البولاقية التي طبعت في المطبعة حتى عام 1843 وهي 248 عنوان. سبب اهتمام الإنجليز بالمعروضات المصرية هو اهتمام الإمبراطورية البريطانية بالدراسات الشرقية وإنشاء أقسام لها في المؤسسات التعليمية مثل كلية الملك (King’s College) وكلية الجامعة (University College). كانت هذه الكتب بمثابة كنز لمكتبات هذه الكليات. مصر في ذلك الوقت لم تكن مستعمرة بريطانية بل دولة شبه مستقلة تابعة للدولة العثمانية.

 

الملاحظ أن مصر لم تعرض أي شيء خاص بالصناعة أو الماكينات. كل ما عرض هو من عينة المواد الخام ومنتجات استهلاكية مثل الأقمشة. هذا يوضح أن مصر لم تكن دولة صناعية، بل دولة زراعية في طريقها إلي الانحدار.

 

بعد وفاة عباس حلمي الأول تولى الحكم الخديوي سعيد والذي لم يفعل شيء لمصر غير توقيع عقد حفر قناة السويس والسماح بالسخرة للفلاحين في حفرها. من الناحية الصناعية لم يكن هناك تقدم يذكر.

 

خلف الخديوي سعيد الخديوي إسماعيل.  أراد إسماعيل أن يجعل مصر قطعة من أوربا فبدأ ينفق ببذخ على القصور والاحتفالات. بدأ خطته بتحديث أحياء القاهرة وميادينها وإنشاء أحياء جديدة مثل الزمالك و ميدان الإسماعيلية وغيرها. تصور إسماعيل أنه يمكن أن يجعل مصر دولة متقدمة بإنشاء بعض المباني الحديثة والشوارع الواسعة، و يبدوا أنه لم يكن يدري أن ذلك لن يؤدي إلي نتيجة.

 

بما أن المباني والميادين ليست مشروعات إنتاجية كان لابد أن يمولها من مصدر آخر. في البداية كان القطن الذي ارتفع سعره نتيجة الحرب الأهلية الأمريكية. وعندما نضب هذا المنبع استدان من أوربا. وعندما عجز عن السداد باع حصة مصر في قناة السويس التي حفرتها مصر بدماء وعرق آلاف المصريين. وأدى ذلك في النهاية إلي وضع مصر تحت الوصاية ثم في النهاية احتلال الإنجليز لمصر بحجة حماية مصالحهم. لقد باع الخديوي إسماعيل مصر بدراهم معدودات وكان يعتقد أنه عبقري نقل مصر من أفريقيا ووضعها في قلب أوربا.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة، الآن ما تعدده الحكومة المصرية من إنجازات لا يتجاوز المدن الجديدة وعدة ملايين من خطوط التليفونات وبعض الكباري والأنفاق ثم يقال لنا أننا أصبحنا دولة متقدمة لدرجة انه في مؤتمر اقتصادي عقد في القاهرة في عام 2000 أطلقنا على أنفسنا اسم "نمور النيل." المراقب يلاحظ أن مصر أصبحت على حافة كارثة التدخل الأجنبي وفرض الوصاية على مصر من الولايات المتحدة وأوروبا. الغريب أن البعض مازال يعتبر الخديوي إسماعيل حاكم ناجح لأنه بنى دار الأوبرا ولا يذكروا أنه كان السبب في احتلال مصر. وهم نفس المجموعة التي تعتبر مصر الآن في أزهى عصورها لأنها بنت مترو الأنفاق.

 

بعد تنحية إسماعيل لسوء أحوال البلاد والعباد تولي توفيق السلطة وقامت الثورة العرابية فاستعان توفيق بالإنجليز الذين احتلوا مصر لمدة 70 عاماً حتى خرجوا منها في عام 1956. لم تتقدم مصر في عهد توفيق أو عباس الثاني الذي خلفه وإن كانت الخدمات تحسنت لأن الإنجليز أرادوا أن يكون لديهم وسائل اتصال يمكنهم بها أن يسيطروا على مصر فقاموا بشق الطرق وإنشاء خطوط سكك حديدية لربط المن الرئيسية ومدوا خطوط التلغراف والتليفون وغيرها من الخدمات. لكن كانت الآلات والمنتجات اللازمة لتوفير هذه الخدمات تصنع في أوربا وكانت مصر دولة مستهلكة فقط.

 

 

استمر الحال في أيام عباس حلمي الثاني. بالرغم انه كان أكثر وطنية من توفيق إلا أنه لم يكن لدية التصور الذي يمكن به تحديث مصر صناعياً. كانت هذه المسألة لا تقلق أحد. كان الاهتمام الأكبر بالاستقلال و بالتغيير الاجتماعي و الثقافي، أما التطور ألصانعي فكان كأنه لا يعني أحد.

 

يمكن أن يفهم عدم الاهتمام بالصناعة بفحص تركيبة المجتمع المصري في هذا الوقت. كان الأغنياء من الإقطاعيين لديهم المال الذي يمكنهم من شراء ما يحتاجون أو يريدون من أوربا. أما الفقراء فكان كل همهم هو توفير لقمة العيش ولا يطمحوا في أكثر من ذلك. أما الخديوي فمشغول بدسائس ومؤامرات القصر والوزراء والإنجليز. لذلك لم يكن لدى أحد الوقت ليفكر في هذا الموضوع، ولما كان لا توجد في مصر منظمات مدنية قوية مهتمة بدفع مشاريع التصنيع، كما كان ولا زال يحدث في دول أوربا، فكانت مسألة التصنيع غير واردة في حسابات الطبقة الحاكمة.

 

هناك ملاحظة أخيرة يجب ذكرها وهي أن الدخل القومي المصري تضاعف 12 مرة خلال هذه الفترة. يرجع هذا الي تحسين أحوال المواصلات والري والخدمات. كان الإنجليز وراء هذا التحسن حتى يستطيعوا السيطرة على البلاد. لكن التقدم الصناعي كان محدود، لذلك استمرت مصر دولة متخلفة بالرغم من زيادة الدخل القومي. هذا يوضح أن الاقتصاد الخدمي لا يطور أي دولة ولكنه التطور الصناعي الحقيقي هو الذي يؤدي إلى ذلك. 

 

استقبلت مصر الحرب العالمية الأولي وهي في حالة تخلف صناعي وكأنها تراجعت عشرات السنين عن أيام محمد علي، فما ذا حدث بعد الحرب؟ هذا ما سنناقشه في المقالة القادمة.

 


 

  

 


 

© Ibrahim Abdel-Motaleb


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY