في الحلقة السابقة ذكرنا أن من أسباب نجاح محمد علي أنه كان أوربي المنشأ ويتمتع بذكاء عالي. إذاً لماذا فشلت التجربة الصناعية المصرية بعد هزيمته من الأوربيين؟ إن قيل حدث هذا لأن محمد علي توفى وخلفه حكام ليسوا على نفس القدر من الذكاء لقلنا نعم هذا صحيح أنهم ليسوا على نفس القدر من الذكاء ولكنهم هم نفس الحكام الذين ترعرعت في أيامهم، أو بالرغم عنهم، كل الفنون والثقافة والآداب وهم نفس الحكام الذي زاد في أيامهم الدخل إلى الضعف بين عامي 1823 و1860 وتضاعف 12 ضعفاً من عام 1860 إلى 1913. لماذا إذاً نهضت مصر ثقافياً ولم تنهض صناعياً؟ وحتى لو كان هؤلاء الحكام أقل ذكاءً من محمد علي، فكثير من الدول مثل إنجلترا تولى عرشها ملوك مجانين مثل جورج الثالث وشواذ مثل الملك جيمس بالرغم من ذلك تقدمت إنجلترا صناعياً في حين تخلفت مصر. نحن نقدر ذكاء الحكام ولكن ضمان آن يكون الحكام غاية في الذكاء شيء لا يمكن تحقيقه.

ربما يقول البعض إن انعدام الديمقراطية هي سبب الفشل. نقول نعم الديمقراطية لها تأثير عكسي ولكن التقدم الصناعي لم يقتصر على الدول الديمقراطية فقط، بل بعض الدكتاتوريات حققت نهضة صناعية كبيرة. يكفي دليلاً على ذلك الإتحاد السوفيتي، اكبر دكتاتورية في العالم، استطاع أن ينشأ صناعة جعلته دولة صناعية تناطح الولايات المتحدة. فإن قلت لكنها الآن تعتبر دولة من الدرجة الثانية، نقول نعم ويمكننا أن ندعي أنها أصبحت كذلك عندما بدأت تهب عليها رياح الديمقراطية بعد أن تولى جورباتشوف الرئاسة، و لاكنا لا نقول ذلك لأن الديمقراطية في النهاية تؤدي إلي قوة الدولة وازدهارها إن طبقت كما يجب. كذلك نجد أن دول دكتاتورية أخرى مثل كوريا وتايوان حققوا معجزات صناعية قبل أن يكونوا ديمقراطيات. كذلك اليابان الني بدأت نهضتها الصناعية بعد مصر بخمسين عاما أصبحت دولة عظمي في خلال 40 عاما بالرغم أنها لم تكن دولة ديمقراطية بالمعني الغربي.

إن قلت السبب هو الأمية، نقول بالطبع الأمية عامل سلبي ولكنه ليس بقاتل لأن محمد علي تمكن من إقامة صناعات عسكرية متطورة بنسبة أمية عالية (93 %). أضف إلى ذلك أن الأمية في باقي الدول التي تقدمت كانت عالية أيضا و لم تكن صفراً في ألمائه.

فإن قلت السبب هو تآمر الدول الغربية على مصر لقلنا وهكذا كل دولة تتآمر عليها الدول الأخرى. إنجلترا كانت تتآمر على فرنسا وكذلك فعلت فرنسا مع وألمانيا وأسبانيا وجميع الدول الصناعية. لم تسلم دولة من التآمر. بالرغم من ذلك أصبحت كل هذه الدول دول صناعية متقدمة بدخول متقاربة للفرد في كل منها.

فإن قلت ليس التآمر فقط ولكن الدخول في حرب وهزيمة مصر في هذه الحرب، لقلنا كذلك هُزِمت فرنسا من إنجلترا وهزمت جميع دول أوربا من نابليون فرنسا، ثم هزمت فرنسا من بسمارك ألمانيا في عام 1871 وتم أسر الإمبراطور الفرنسي. بالرغم من كل هذه الهزائم تمكنت الدول الأوربية من تحقيق نهضة صناعية متقدمة.

فإن قلت ربما تضافر كل هذه الأمور هو السبب، لقلنا وهذا بالنسبة للدول الصناعية الأخرى تضافرت هذه الأمور وكان لها تأثير سيء لكنها لم تقتل الصناعة وتمكنت هذه الدول من تقليل أو رفع تأثير هذه العوامل.

السؤال إن لم تكن العوامل السابقة هي السبب فما هو السبب إذاً؟

العامل الأول هو أن محمد علي أنشأ صناعة عسكرية وكانت الصناعات المدنية موجودة لكي تغذي الصناعات العسكرية. لقد جعل محمد علي الاقتصاد المصري، الزراعي والتجاري والصناعي رهينة للقطاع العسكري. ألصناعة العسكرية بالطبيعة صناعة غير منتجة بل هي صناعة هالكة: إما بالتدمير أثناء المعارك وإما بالتكهين (تصبح كُهنة أو خًردة) عندما تستنفذ مدة صلاحيتها. الصناعة العسكرية تعتبر صناعة شبه منتجة في حالتين: أولها أن تستخدم لضمان استقرار البلد والثانية أن تستخدم لتطوير تكنولوجيا ذات استعمال مدني. أما أن تكون صناعة عسكرية بحتة فإن دورتها في الاقتصاد تكون ضعيفة.

لا يمكن لدولة تعتمد كلياً علي الصناعات العسكرية أن تستمر. الدليل على ذلك هو الإتحاد السوفيتي الذي سخر جزء كبير من الاقتصاد لدعم المؤسسة العسكرية. هذا أدي في النهاية إلي انهيار الإتحاد السوفيتي ولولا أن كان هناك صناعات مدنية روسية لكان انهيار روسيا الاتحادية انهياراً كاملاً. المثال الثاني هو فرنسا نابليون. تمكن نابليون من هزيمة جميع دول أوربا بصناعاته العسكرية وخاصة المدفعية التي كانت الأفضل في العالم، لكنه انهار في النهاية ولم تلحق فرنسا بالثورة الصناعية إلا بعد أربعين عاماً أيام نابليون الثالث.

في حالة مصر، وضعت شروط علي عدد وعدة الجيش فوجدت مصر نفسها في وضع منهار لأن كل الاستثمار في الصناعات الحربية قد ضاع ولا توجد صناعات مدنية قادرة على استكمال المسيرة. في حين استمر التطور الثقافي والاجتماعي والأدبي والفني لأن هذه الأعمال وجدت منفذ في الحياة المدنية لكي تتطور بالرغم أن سبب وجودها كان لحاجة الجيش لها.

العامل الثاني الذي دمر الصناعة المدنية هو رخص الأيدي العاملة في مصر. ربما يختلف معي البعض في هذا الرأي لأنهم يرون أن رخص الأيدي العاملة يقلل من التكلفة ويساعد على الرواج. المغالطة من وجهة نظري في هذه المقولة هي أن الذي يساعد على الرواج هو انخفاض تكلفة الإنتاج وليس رخص الأيدي العاملة. الفرق بين الاثنين هو أن رخص تكلفة الإنتاج تؤدي إلي زيادة القدرة التنافسية ويؤدي إلى الرواج أما رخص الأيدي العاملة يقلل القوة الشرائية للمجتمع وهذا يؤدي إلي التدهور الاقتصادي. الدليل على ذلك هو أنه في الدول المتقدمة تجد الأجور مرتفعة والقدرة التنافسية للبلد عالية أما الدول الفقيرة فالأجور فيها منخفضة جدا والقدرة التنافسية منخفضة. فلو كانت العلاقة بين التقدم الصناعي للدول و الأجور طرديه لكانت زيمبابوي في أعلى قائمة الدول الصناعية و أمريكا في أسفل القائمة. لكن وجدنا أن العلاقة عكسية وهذا يجعل من المنطقي الاعتقاد بأن رخص الأيدي العاملة هو دليل علي التخلف الصناعي و أن دفع الأجور علي للانخفاض يسبب الانهيار الصناعي. هذا يفسر ما قاله الصناعي ألأمريكي هنري فورد عندما رفع أجر العمل من دولار إلي خمسة دولارات. وقال فورد قولته الشهيرة والتي معناها كيف أتوقع أن أبيع السيارات التي ينتجها مصنعي إن لم أعطي العمال الأجر الذي يتمكنوا به من شرائها.

ربما يقول قائل أن هذا الطرح غير منطقي لأن رخص العمالة يزيد القدرة على المنافسة. نقول الذي يزيد القدرة على المنافسة هو رخص تكلفة الإنتاج للفرد أو ما يسمي (High Human Capital) أو  (High Productivity). نعم العمالة الرخيصة تخفض التكلفة قليلاً لكنها تضعف السوق المحلي وتثبط الهمم لاختراع تقنيات جديدة. بدون هذه التقنيات تقل القدرة التنافسية للدولة حتى وإن كانت تكلفة العمالة تصل إلي العدم.  

لكي نثبت هذه النظرية سنأخذ بلدين تتماثل جميع العوامل فيما عدا سعر العمالة ونبحث عن مستوي التقدم الصناعي في كلا البلدين ونرى من منهم كان متقدما على الآخر. المثال هو أمريكا الفدرالية المتمثلة في ولايات الشمال وأمريكا الكنفدرالية المتمثلة في الولايات الجنوبية وذلك في عام 1860 عند بداية الحرب الأمريكية الأهلية. جميع الولايات، جنوبية أو شمالية، كان فيها نفس النظام السياسي والاقتصادي ونفس القوانين والحريات. أي أنهم كانوا متماثلين في كل شيء. الاختلاف الوحيد هو أن الجنوب كانت الأجور فيه رخيصة جداً يسبب وجود عدة ملايين من العبيد يعملون لأسيادهم بدون أجر، أما الشمال فكان يعتمد غلي الأحرار من العمال ذو الأجور العالية نسبياً. بالرغم من رخص العمالة في الجنوب وجدنا أن الجنوب كان متخلف صناعياً عن الشمال، وكان هذا التخلف من أسباب هزيمته في الحرب الأهلية، بالرغم من شجاعة الجنوبيين الأسطورية في مواجهة الشمال. لو كان رخص العمالة يؤدي إلي النهضة الصناعية لكان الجنوب أكثر تقدما وانتصر في الحرب الأهلية و لكان لدينا دولتان أمريكيتان بدلا من واحدة.

الحقيقة أن رخص العمالة كان السبب في تأخر الثورة الصناعية لأكثر من 2000 عام. فالمحرك البخاري (Steam Engine) لم يخترع في القرن الثامن عشر، إنما الحقيقة التي لا يعلمها كثير من الناس أن المحرك البخاري أخترع أيام الإغريق كما ذكر الكاتب الإغريقي "هيرو" في المخطوطة التي اكتشفت في الإسكندرية. و كان هذا المحرك يستخدم في فتح أبواب المعابد، أنظر الرسم المرافق.

صورة-1: المحرك البخاري الذي أشار إليه هيرو وكان يستخدم في فتح أبواب المعابد، انظر الحاشية رقم.[1]

صعوبة الآلة البخارية تنبع من الحاجة إلى نظام ميكانيكي معقد يمكن به تسخير واستعمال هذه الطاقة. فهل يا ترى كان هذا هو سبب عدم تطوير الآلة البخارية أيام الإغريق؟ الجواب على غير المتوقع هو لأن الإغريق كانت لديهم القدرة على صنع هذه النظم فلقد قاموا بصنع نظم ميكانيكية أصعب و أعقد من التي يتطلبها المحرك البخاري. لقد قاموا بصناعة أوناش قادرة على القبض علي سفينة من سفن الرومان العملاقة ورفها عشرات الأمتار و إلقائها في البحر. من يستطيع أن يصنع آلة بهذه الضخامة هل يعجز عن تصنيع نظام ميكانيكي صغير لآلة البخار؟ الجواب لابد أن يكون لا.

إذا لماذا لم يطور الإغريق هذه الآلة لكي تستعمل في الأغراض الصناعية والنقل؟ الجواب هو وجود العبيد. لقد كانت تكلفة العبيد رخيصة لدرجة أنه لم يكن مفيد اقتصادياً أن تستعمل الميكنة. مثلاً استخدام العبيد لتشوين القمع في الصوامع كان أرخص من استعمال روافع مثل التي استخدمت لتدمير السفن الرومانية. هذا يثبت أن رخص الأيدي العاملة كان سبباً رئيسيا للتخلف الصناعي.

حدث نفس الشيء أيام محمد علي عندما عرض عليه استعمال آلة حلج القطن فرفضها قائلاً انه أرخص له أن يستعمل فلاحين للحلج بدلا من استعمال هذه الآلة. معنى ذلك أن محمد علي آثر تخفيض التكلفة باستعمال أيدي عاملة رخيصة بدلاً من زيادة ألإنتاجية باستخدام التكنولوجيا الحديثة. لو عرفت أن صناعة المنسوجات كانت المكون الأكبر للتبادل التجاري الدولي لأدركت الخسارة القاتلة للصناعة المصرية بسبب هذا القرار من محمد علي والتي لم تتعافي من آثاره الصناعة المصرية حتى يومنا هذا. لم تستطع الصناعة المصرية المنافسة أمام الأجنبية وفي النهاية اضمحلت وتأخرت.

ربما يقول قائل: إذا كان التقدم الصناعي مرتبط بزيادة سعر العمالة، فلنرفع سعر العامل إلى مليون جنيه في الشهر ونحقق نهضة صناعية أكبر من أمريكا. الأمور ليست كما يتخيل البعض. حينما نقول أن اليد العاملة رخيصة نقصد أنها تفرض عليها الرخص بقوي خارجية لا علاقة لها بقوانين وقوي السوق. هذا يحدث في حالة العبودية أو الإقطاع  (serfing) أو سيطرت الدولة علي الاقتصاد في النظم الشمولية. للأسف في الوقت الذي كان فيه الغرب يتخلص من النظام الإقطاعي (serfing) كان محمد علي ينشأ هذا النظام في مصر. ولقد استمر إذلال الفلاح المصري منذ عصر محمد علي وحتى قيام الثورة.

 العامل الثالث هو أنه بالرغم من ذكاء محمد علي الشديد إلا أنه لم بكن مثقف ذو خيال. كان محكوم بتجربته الشخصية. وحيث أن التجارب الشخصية لأي فرد محدودة كان خيال محمد علي وإدراكه بطبيعة الأمور وتأثيرها محدود. مثلاً لم يكن يدرك أهمية الحرية للنهوض بالمجتمع مثل ما أدركها جفرسون وفرانكلين عند قيام الثورة الأمريكية. لم يكن يدرك أهمية المساواة بين أفراد الشعب كما أدركها الفرنسيين. لم يكن محمد علي إلا حاكم تركي متنور يحاول أن يقلد الدول الأوربية ولقد نجحت تجربته بسبب عزيمته ولكن تجربنه الصناعية لم تكن لديها العمق السياسي أو الاجتماعي لكن تنهض بأمة. لم يحيط محمد علي نفسه بمثقفين مبدعين كما حدث مع جورج واشنطون عندما كان يحيط به عباقرة من أمثال هاملتون وماديسون وجاكسون والذين صاغوا دستوراً قاد دولة زراعية تعداد سكانها 3 ملايين نسمة لكي تصبح أقوى وأغني دولة في التاريخ. لأن محمد علي كان دكتاتوراً يتخذ القرار وحدة فإن ثقافته المحدودة بتجربته أثرت سلبياً علي قراراته. لو كان ديمقراطياً لأمكن تلافي هذا النقص. لو كان هناك مؤسسات مدنية مثل الجمعيات العلمية أو الصناعية لأمكن سد الثغرات في قرارات الحكومة. لكن هذا لم يوجد فكان التقدم مرتبط بما يقتنع به محمد علي نفسه بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.

العامل الرابع هو اعتماد مصر علي الخبرات الفرنسية في التحديث وليس الخبرات الإنجليزية. عندما أراد محمد علي تحديث الجيش كان لابد أن يستعين بخبراء أجانب. كان غالبية الخبراء في البداية من الإيطاليين، لكن بعد زيارة البعثة الفرنسية لمصر في عام 1824 أصبح معظم الخبراء الأجانب من فرنسا. المشكلة مع فرنسا أنها كانت دولة متخلفة صناعياً في هذا الوقت. ففرنسا لم تدخلها الثورة الصناعية إلا بعد عام 1852 عندما تولي الحكم نابليون الثالث. أما قبل ذلك فكانت لا تختلف كثيراً عن الدول المتخلفة الأخرى. من هنا لم تأخذ الصناعة الاهتمام الكافي وإن كانت الفنون والآداب قد تطورت نتيجة لهذه العلاقة.         

من هذه المقالة يبدوا أن تدهور الصناعة المصرية في نهاية عهد محمد علي كانت قدراً لا فكاك منه لأن مقومات إنشاء مجتمع صناعي متطور له قدرة ذاتية علي الاستمرار لم تكن موجودة. إن لم تكن هذه المقومات موجودة فهل وجدت بعد ذلك؟ دعنا نرى في المقالة القادمة.  

 

[[1] A HISTORY OF THE GROWTH OF THE STEAM-ENGINE, ROBERT H. THURSTON, A. M., C. NEW YORK: D. APPLETON AND COMPANY, 549 AND 551 BROADWAY. 1878.

 
 


 

 


 

© Ibrahim Abdel-Motaleb


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY