محمد علي هو مؤسس مصر الحديثة. بالنظر إلي بدائل محمد علي من الأتراك أو المماليك يدرك الإنسان أنه لولا محمد علي لتأخر تحديث مصر لعشرات السنين و لربما كان وضعنا الآن لا يختلف عن وضع أي من دول حوض النيل الأخرى مثل السودان أو إثيوبيا. إنه قدر عجيب أن يأتي بمحمد علي كفرد تابع للخلافة العثمانية من أوربا ليتخطى كل العقبات ليكون والي مصر رغم أنف الباب العالي والمماليك. إنه قدر عجيب أن يأتي بالشخص الوحيد في مصر الذي لديه القدرة على هذا العمل ويمكنه من حكم مصر. و لكنه قدر يثير الرعب أيضاً! ماذا كان سيحدث لو لم يحالف محمد علي الحظ ولو مرة واحدة. لو حدث ذلك فلربما كان كثير منا الآن يحلب" معيز" في إحدى الحقول أو يبيع "سميط وبيض وجبنة في أحد الموالد.  

 لكن لماذا كان محمد علي هو الوحيد في ذلك الوقت المؤهل لتحديث مصر؟ هناك، في رأيي سببان رئيسيان: ألأول أن محمد علي أوربي المنشأ، والثاني هو الذكاء الفطري النادر لمحمد علي الذي لا يتكرر كثيراً.  

أهمية نشأة محمد علي الأوربية ترجع إلى تأثره بالعقيدة العسكرية الأوربية والتي تعتبر أن السلاح هو العامل الحاسم في تحديد نتيجة المعركة. هذه العقيدة لم تكن متبناة في الشرق حيت تُعتبر الشجاعة والإقدام العوامل الحاسمة لتحديد نتيجة المعركة. هذا يفسر قيام المماليك في الحرب بالاصطفاف علي شكل هلال و الهجوم السريع للفرسان بشجاعة وإقدام بطريقة غير منظمة “loose formation”  لكي يصاب العدو بالذعر ويفل هاربا. هذه التكتيك قد ينفع مع جيش من جيوش الشرق ألأوسط ولكن للأسف لم ينفع المماليك في معركة الأهرام مع الفرنسيين.  لقد تمكن الفرنسيين بسلاحهم المتفوق من تدمير جيش المماليك في أقل من ساعتين وتم قتل 5000 من المماليك مقابل 300 فقط من جيش نابليون. لم تنفع المماليك الشجاعة الفائقة التي أظهروها بالرغم من أن هذه الشجاعة أذهلت نابليون لدرجة انه اتخذ أحد المماليك ليكون سكرتيره الخاص واستمر معه حتى عندما أصبح إمبراطوراً لفرنسا.  نفس الشيء حدث للهنود الحمر في أمريكا اللاتينية عندما أستطاع أقل من 200 جندي أسباني من هزيمة آلاف الجنود من المقاتلين الهنود.

نشأة محمد علي الأوربية هذه تفسر مسارعة محمد علي لبناء قاعدة صناعية ضخمة للأسلحة الحربية. هذه القاعدة مكنته من بناء جيش قوي يبلغ قوامه أكثر من 200 ألف جندي قادر على خوض معارك وهزيمة جيش دول كبرى في البر والبحر. هذا الجيش تمكن في وقت قصير من بناء إمبراطورية مكونة من مصر والسودان والحجاز والشام وجزء من تركيا.

أما ذكاء محمد علي الفطري فمكنه من مراقبة الجيوش الأوربية (الفرنسية والإنجليزية) أثناء القتال واستخلاص العبر الصحيحة منها. من هذه التجربة أدرك أثر التدريب الجماعي واللياقة البدنية والانضباط علي نتيجة المعركة. نتيجة لذلك أصر محمد علي على تدريب الجيش على الطريقة الأوربية. لذلك أحضر مدربين من الخارج و أرسل البعثات للدراسة في كل أنواع الفنون لعلمه أن كل العلوم والفنون مطلوبة لبناء جيش قوي. هذا يفسر لماذا كانت المدارس المنشأة تابعةً للجيش وحتى الصحف بدأ صدورها من المؤسسات العسكرية.

هذا الذكاء جعل محمد علي يدرك أيضا أن تكوين جيش من الأتراك سيؤدي حتماً إلي مؤسسة ولاؤها للسلطان العثماني وليس له، وهذا لن يمكنه من بناء الإمبراطورية التي يحلم بها. لذلك قرر محمد علي تمصير الجيش، بالرغم من اعتراض الجنود والضباط على ذلك.

قام محمد علي أيضاً بإصلاحات في قطاع الزراعة، وذلك بتوزيع أراضي على الفلاحين و بزيادة الرقعة الزراعية بشق الترع وبناء القناطر. بذلك ضمن دخل يمكن أن ينفق منه على الجيش.

بذلك يمكن أن نقول أن أسباب نجاح محمد علي تكمن في تبني عقيدة عسكرية صحيحة، إقامة صناعات عسكرية محلية يستطيع أن يتحكم في إنتاجها، تدريب كوادر مصرية في جميع العلوم والفنون وإسناد مهمة التطوير لهم عندما أصبحوا قادرين عليها، توفير التمويل ألازم للجيش من الإصلاحات في قطاع الزراعة ولم يعتمد على التمويل الأجنبي.  أي أنه تمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي المحلي في كل قطاعات الجيش وهذا مكنه من أن ينتج ما يحتاج عندما يريد. أو يمكن أن نقول أنه تمكن من تحقيق الاستقلال التام.

 

 


 


 

 


 
 

© Ibrahim Abdel-Motaleb 2006


 
 
 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a co-op of Egyptian authors.
Articles contained in these pages are the personal views, or work, of the authors,
who bear the sole responsibility of the content of their work.
 
 

BACK TO MAIN PAGE


 

For any additional information, please contact
the Webmaster of the Egyptian Chronicles:

DESIGNED BY