رولا سرحان باحثة في المجلس التشريعي

د. عصام عابدين مستشار قانوني في المجلس التشريعي

 

ظهرت على إثر إعلان الرئيس محمود عباس " أبو مازن " بتاريخ 25/5/2006م عن أنه سيلجأ إلى الاستفتاء العام فيما لو لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الفصائل خلال مؤتمر الحوار الوطني، وجهتا نظر، إحداهما داعمة لإجراء الاستفتاء وأخرى معارضة له. والسند في الرأي الأول بمجمله سياسي، وفيه قليلٌ من القانون، فيما الرأي الثاني قانوني فيه قليلٌ من السياسية.

 

 ورغم كون الأمرين؛ السياسي والقانوني، متلازمين لا ينفصلان، فإن هنالك محاولة لفصلهما عن بعضها البعض، وخاصة فيما يتعلق بالرأي الأول، على اعتبار أن الأمر القانوني غير ذي أهمية، في ظل الوضع الفلسطيني الراهن الذي يُعاني عزلة وضائقة اقتصادية خانقة، علاوة على الخلاف الحاد في الرؤى والبرامج السياسية بين حركتي فتح وحماس.

 

وحريٌ في هذا الصدد، دراسة الرأي السياسي بشيء من التدقيق لكونه يحظى بتأييدٍ كبيرٍ من قبل كل من يرى في الاستفتاء وسيلة للخروج من الأزمة الراهنة وحلحلة للوضع السياسي القائم؛ ولكون الاستفتاء أمراً جديداً على آلية صناعة القرار في الساحة الفلسطينية؛ إضافة لكون أن الأسانيد المطروحة لجهة تأييد إجرائه تفتقر إلى الدقة في مجملها، وأحياناً إلى الموضوعية، إذ ترتكز على الآتي:

 

أولاً: أنه ليس هنالك ما يمنع الرئيس من إجراء الاستفتاء، انطلاقاً من القاعدة الشرعية التي تقول بأن (( الأصل في الأمور الإباحة، ما لم يرد نص بالتحريم ))، ما يعني جواز اللجوء إلى الاستفتاء من قبل مؤسسة الرئاسة، لعدم وجود ما يحظر ذلك.

 

ثانياً: أن النظام السياسي الفلسطيني نظام نيابي، يعتمد على التعددية السياسية والحزبية والمشاركة في الحكم عبر الاستفتاء، بالاعتماد على المادتين (5) و(26) من القانون الأساسي.

 

ثالثاً: أن القانون الأساسي قد أعطى رئيس السلطة الحق في إعلان حالة الطوارئ وفرض القيود على الحقوق والحريات الأساسية، وما دام الأمر كذلك، فإنه من باب أولى ومن مفهوم المخالفة أن يكون للرئيس الحق بالرجوع إلى الشعب عبر الاستفتاء، بما يعزز تلك الحريات.

 

رابعاً: أن الاستفتاء هـو شـأن سياسـي أولاً وأخيراً، لكونـه ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة للخروج من الأزمات.

وفي شأن الآراء الواردة أعلاه، نُبدي الملاحظات القانونية والسياسية التالية:

حول أن الأصل في الأمور الإباحة إن الاستناد في قانونية إجراء الاستفتاء إلى القاعدة الشرعية التي تقول بأن (( الأصل في الأمور الإباحة ما لم يرد نص بالتحريم )) هو غير ذي صلة في هذا المقام، ذلك أنه لا يؤدي الغرض من الاستناد إليه. إذ إن الأصل في القانون الدستوري هو أن يتم تنظيم عمل السلطات الثلاث وصلاحياتها واختصاصاتها بنصوص ترد في متن الدستور لترسم حدود وضوابط الإباحة أو التحريم أو التقييد. وبالتالي، فإن الأصـل فـي تنظيم عملية الاستفتاء هو إيراد نص بشأنها، والقول بأن عدم إيـراد نص بـ " تحريم " إجراء الاستفتاء يعني ضمناً " إباحة " إجرائه يخالف الاتجاه السائد والمستقر في الدساتير المقارنة وفي الفقه الدستوري أيضاً. ذلك أن الدول التي تأخذ بطريق الاستفتاء سبيلاً لفض النزاعات الناشبة بين السلطات السياسية إنما تنحو باتجاه تضمين دساتيرها نصوصاً واضحة وصريحة بشأن تنظيم عملية الاستفتاء. وذلك هو الحال في الدستور الفرنسي من خلال المواد (11) و(89) وكذلك القانون الأساسي الألماني في المواد (29) و(118) والدستور الأسترالي والدستور الايرلندي وغيرها من الدساتير. فضلاً عن ذلك، فإن الدول التي لا تأخذ بأسلوب الاستفتاء لا تُضمن دساتيرها مواد في هذا الشأن، وكذلك هو الحال في كل من الولايات المتحدة وهولندا والأردن وغيرها من الدول.

 

وإذا كان الاستفتاء يحتاج إلى إطار دستوري عام يمنحه الشرعية الدستورية، فإنه يحتاج في ذات الوقت إلى قانون ينظم عملية الاستفتاء وإجراءاته من ألفها إلى يائها. وبالنتيجة، فإن الغطاء الدستوري والقانوني للإستفتاء هو الذي يمنحه الشرعية الكاملة، والعكس صحيح. وهذا هو الأساس أو المعيار أو الضابط الذي يتم من خلاله التعرف على الجوانب الأساسية والجوهرية في شأن عملية الاستفتاء؛ وأبرزها: الجهة المخولة بالدعوة إلى الاستفتاء، والجهة المخولة بإجرائه، وموضوع الاستفتاء على وجه التحديد، ونتيجة الاستفتاء إن كان ملزماً أم استشاري، ومدى مشاركة القضاء في الرقابة والإشراف على عملية الاستفتاء برمتها، وغيرها من الجوانب والمفاهيم الجوهرية في شأن الاستفتاء. 

 

علاوة على ذلك، فإن الأصل في القاعدة الشرعية المذكورة، إذا ما أُخذ بها، أن تقوم على الإطلاق لا على التقييد، أي بمعنى أنها تقوم على إطلاق الصلاحيات وعموميتها، وبما أن صلاحيات رئيس السلطة الوطنية مقيدة في القانون الأساسي المعدل من خلال نص المادة (38) والتي جاءت على النحو التالي: (( يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون ))، فإن هذه القاعدة الشرعية لا تنطبق على صاحب الصلاحيات القانونية الحصرية المؤكد عليها في النص الدستوري أعلاه، ما يعني أنه ليس من حق الرئيس ولا من صلاحياته الدستورية إجراء الاستفتاء غير المنصوص عليه وغير المبين في القانون الأساسي المعدل.

كما أن الاستناد إلى قاعدة أن " الأصل في الأمور الإباحة " قد يعني في الحالة الفلسطينية أن أيّ سلطة من السلطات الثلاث يحق لها الدعوة لإجراء الاستفتاء، إذ يحق للمجلس التشريعي أو الحكومة لاحقاً أن تطلق دعوة مماثلة لعـدم وجود نص فـي القانون الأساسي المعدل يمنعهما من اللجوء لاتخاذ إجراء مماثل. وخاصة إذا ما أُخذ بالسند الضعيف الذي تستند إليه الآراء المؤيدة لقانونية الاستفتاء، والمذكور في المادة (2) من القانون الأساسي والتي جاءت بالآتي: (( الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي)). ما يعني، أنه ليس هنالك ما يحول أمام السلطة القضائية أو السلطة التشريعية أو التنفيذية من الدعوة لإجراء مماثل.

 

 وهذا القول مردودٌ عليه، ذلك أن التأكيد علـى ممارسة الصلاحيات يتم تحديده في نصوص القانون الأساسي، بل تم تحديده فعلاً فـي نص المادة (2) ذاتها بعبارة (( على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )) !! ومعنى عدم تحديد النصوص الدستورية للجهة المخولة، على وجه الخصوص، بالدعوة لإجـراء الاستفتاء، أن القانـون الأساسي المعدل لـم يمنح هـذه الصلاحيـة الدستوريـة لأيّ من السلطات الثلاث.

 

بل على العكس مـن ذلك، فإذا أسقطنا الإطلاق الوارد في قاعدة (( الأصل في الأعمال الإباحـة )) على القانون الأساسي في شأن الاستفتاء، لا سيما بعد التعديلات الجوهرية التي جرت عليه عام 2003م، فإن قراءة دقيقـة لتوزيع الصلاحيات في القانون الأساسي المعدل، توضح أن الصلاحيات الممنوحة للحكومة الفلسطينية هي " أكثر إطلاقاً " من الصلاحيات الممنوحة لمؤسسة الرئاسة. ففي الوقت الذي يتم فيه حصر صلاحيات الرئيس في المادة (38) من القانون الأساسي، تُعيد المادة (63) من ذات القانون الأساسي التأكيد على هذه الصلاحيات الحصرية وتمنح صلاحيات غير مقيدة لمجلس الوزراء؛ إذ جاء النص الدستوري المذكور على النحو التالي: (( مجلس الوزراء ( الحكومة ) هو الأداة التنفيذية والإدارية العليا التي تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقره السلطة التشريعية موضع التنفيذ. وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسـي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء )).

 

ومن جانب آخر، فإذا سلمنا جدلاً بأن قاعدة (( الأصل في الأمـور الإباحـة )) تنطبق في هذا المقام، فلمـاذا اقترح المجلس التشريعـي السابق فـي " تعديلات القراءة الأولـى لمشروع قانـون معدل للقانون الأساسي لعام 2003م " التي أعدتها اللجنة القانونية لعرضها على المجلس التشريعي في جلسته المنعقدة يومي الأربعاء والخميس الموافق 9-10/11/2005م استحداث نص دستوري في شأن الاستفتاء العام جاء علـى النحو الآتي: (( 1. لرئيس السلطة الوطنية الدعوة لإجراء استفتاء عام وفقاً لأحكام القانون. 2. لا يتم إجراء استفتاء عام إلاّ بقانون، وتكون نتائجه ملزمة ونافذة إذا حازت على الأكثرية النسبية من أصوات المقترعين وعلى رئيس السلطة الوطنية إصدارها خلال أسبوعين من تاريخ إعلان النتائج النهائية )). ألم يكن بإمكان المجلس التشريعي السابق أن يكتفي بالقاعدة الشرعية السابقة دون اقتراح التعديلات أعلاه، ودون التأكيد على وجوب إدراج نص في القانون الأساسي المعدّل يشكل إطاراً دستورياً لعملية الاستفتاء، ويُحيل عملية تنظيمه إلى القانون؟!

 

وفي المقابل، هل يعني عدم وجود نص في القانون الأساسي المعدل يتعلق بإمكانية لجوء رئيس السلطة الوطنية إلى " حل البرلمان " والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة أن بإمكان الرئيس اللجوء إلى حل البرلمان انطلاقاً من قاعدة أن الأصل في الأمور الإباحة ؟! وإذا كان الحال كذلك، فليست هنالك حاجة إلى الدستور أو القانون الأساسي، بحيث يصبح بالإمكان الاكتفاء بقاعدة (( الأصل في الأمور الإباحة )) وقصر نصوص القانون الأساسي على المحظورات فقط دون توضيح الصلاحيات، وعندها تفقد النصوص الدستورية قيمتها وتُفرّغ من مضمونها، ونعود إلى المبادئ الشمولية في الحكم!!

 

ثم ألم يكن حرياً بالداعين لإجراء الاستفتاء العام - دون سند دستوري وتنظيم قانوني - أن يسترشدوا بالتجربة المصرية في هذا الشأن عبر محاكاتها، خاصة وأن معظم التشريعات الفلسطينية مقتبسة عن التشريعات المصرية وتحذو حذوها. فالتجربة المصرية، غنية في شأن الاستفتاء، ودستورها نص في المواد (62) و(74) و(88) و(127) و(152) على موجبات الدعوة للاستفتاء، وآليات إجرائه، ومدى إلزاميته، والتبعات المترتبة عليه، مؤكداً على إحالة تنظيم عملية الاستفتاء برمتها إلى القانون مع وجوب أن يُشرف القضاء عليه للتأكد من سلامة كافة الإجراءات الدستورية والقانونية لعملية الاستفتاء.

 

وصفوة القول، إنه إذا جرى الاستفتاء دون أساس دستوري وتنظيم قانوني، فإن المسألة برمتها ستكون مفتقرة إلى الحد الأدنى من السند الشرعي الذي يمكن الدفاع عنه. 

 

         حول أن الشعب مصدر السلطات   لا خلاف على أن الشعب هو منبع السلطات وأساسها، وأن المرجعية العليا هي للشعب، وهو صاحب سلطة الحُكم وله السيادة والكلمة العليا في تصريف أموره وإدارة شؤونه. لذلك، وعلى هذا الأساس جرى التوافق بين أفراده على تنظيم هذه السيادة من خلال " العقد الاجتماعي " فيما بينهم والمُعبّر عنه من خلال الدستور الناظم لأسس العلاقة بين الفرد والدولة، وبين مؤسسات الدولة فيما بينها. فلا تعارض بين مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات وبين ممارسة هذا الفعل السيادي، الذي يجب أن ينظم من خلال الدستور، وإلاّ انتفت الحاجة إلى الأخير وعدنا بالإنسان مجدداً إلى حالة الطبيعة.

 

ولهذا كله، أوردت الدساتير، على اختلافها، نصاً يؤكد على أن الشعب هو صاحب السيادة، باعتبار أن هذا الأمر من الأمور المستقرة في الفقه الدستوري. فالدستور الفرنسي أكد في مادته الثالثة على أن: (( السيادة الوطنية هي ملك للشعب الذي يمارسها بواسطة ممثليه وعن طريق الاستفتاء)). وأشار الدستور المصري في مادته الثالثة إلى أن: (( السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور )). والمعنى المقصود من أن الشعب هو صاحب السيادة أن السيادة مملوكة لمجموع أفراد الشعب. وأن الحُكم، وفق مبدأ سيادة الشعب، هو تعبير عن إرادتهم ويقوم على مساهمتهم، وليس بمعزل عنهم، بحيث تُقرر أساليب مشاركته في الحُكم من خلال الدستور الذي يعتبر الناظم لهذه المشاركـة السياديـة.

 

وهذا ما جاء عليه الحال في القانون الأساسي الفلسطيني الذي أكد في مادته الثانيـة علـى أن: (( الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )).

 

وبالتالي، فليس المقصود بسيادة الشعب أن يقوم الشعب بممارسة سيادته دون ضابط دستوري، وإنما المقصود أن السيادة مرتبطة بالشعب ولصيقة به وقام " بتفويضها " إلى السلطات الثلاث لممارستها بالنيابة عنه، وتم تنظيمها من خلال الدستور، وإلاّ لما كانت هنالك حاجة للدستور أصلاً ما دام الشعب سيمارس سيادته دون ناظم !! والأمر كذلك في شأن الاستفتاء فعبارة (( يمارس الشعب سلطاته على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي )) إنما تؤكد على ضرورة النص على آلية ممارسة هذه السلطة، ومنها الاستفتاء الذي يجب أن يُنظم دستورياً.

علاوة على ذلك، فإن الاستناد في إجراء الاستفتاء إلى نص المادة (26) من القانون الأساسي المعدل والتي تتعلق بالمشاركة في الحياة السياسية قد تم على نحو مجتزأ وبغير تدقيق، لأن النص الدستوري المذكور قد جاء على وجه " التخصيص " لا على وجه الإطلاق ودون أية ضوابط، وذلك بهدف رسم الإطار الناظم لهذه المشاركة السياسية، إذ جاء النص على النحو التالي: (( للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات ولهم على وجه الخصوص الحقوق الآتية: 1. تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقاً للقانون 2. تشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والأندية والمؤسسات الشعبية وفقاً للقانون 3. التصويت والترشيح في الانتخابات لاختيار ممثلين منهم يتم انتخابهم بالاقتراع العام وفقاً للقانون 4. تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص 5. عقد الاجتماعات الخاصة دون حضور أفراد الشرطة. وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون )).

 

 وجميع الحقوق المذكورة أعلاه تنضوي في إطار الحقوق والحريات العامة، وتأتي في إطار تنظيم كيفية المشاركة في الحياة السياسية ورسم معالمها، فهي لا تمارس جزافاً، بل يجب أن ينظمها القانون بصريح النص الدستوري المذكور. وعليه، فإن الاستناد لهذا النص في سبيل " شرعنة " اللجوء للاستفتاء إنما هو محاولة للخروج على إرادة المشرّع الدستوري الواضحة والصريحة. ولو أراد المشرّع الدستوري إدراج نص صريح على الاستفتاء، لما تردد في ذلك، أمّا القياس في هذا الشأن فهو تأويلٌ بعيدٌ لا يجوز قانوناً التعويل عليه.

 

 وإذا كان الأمر بخلاف ذلك، فلماذا تؤكد المادة (62) من الدستور المصري على حق المواطنين بالمشاركة في الحياة السياسية وفي الوقت ذاته تنص صراحة على الاستفتاء العام؟! ولماذا ينص الدستور الفرنسي أيضاً على حق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية وفـي ذات الوقت تنص المواد (3) و(11) و(89) صراحة على الاستفتاء العام ؟!  يبدو أن المشرّع الدستوري المصري والفرنسي يختلفان مع أصحاب الاجتهادات المؤيدة للاستفتاء الدستوري من هذا الجانب.

 

والأصلُ، أن الاستفتاء العام والانتخابات العامة وجهان لعملة واحدة، وإذا كان القانون الأساسي المعدل قد رسم الإطار الدستوري للانتخابات العامة عبر المواد (26/3) و (48) ونظمها بقانون هو قانون الانتخابات العامة رقم (9) لسنة 2005م، فإن أصول القياس الصحيح لاتحاد العلّة تقتضي أن يتم تحديد الإطار الدستوري الناظم لعملية الاستفتاء بذات الكيفية التي تمت عليها مسألة الانتخابات العامة.

علاوة على ذلك، فلا بد من التأكيد على مسألة هامة مفادها أن لجنة الانتخابات المركزية غير مخولة قانوناً بالقيام بتنظيم عملية الاستفتاء العام. وذلك، لأن مهام وصلاحيات لجنة الانتخابات واردة على نحو حصري في قانون الانتخابات العامة رقم (9) لسنة 2005م. ما يعني، أن أية صلاحيات إضافية للجنة لا تتم إلاّ بقانون أو بتعديل على قانون الانتخابات. ومن نافلة القول، أن المرسوم أو القرار الرئاسي لا يقوى على تعديل القانون استناداً إلى أصول تدرّج القاعدة القانونية من حيث القوة الإلزامية.

 

حول الاستفتاء وحالة الطوارئ

من ضمن الأسانيد التي تقدمها وجهة النظر المؤيدة لإجراء الاستفتاء، أنه يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ واللجوء إلى الاستفتاء خلال تلك الفترة دون الحاجة للرجوع إلى المجلس التشريعي. فضلاً عن أنه وإن كان يحق للرئيس خلال فترة الطوارئ أن يفرض بعض القيود على الحريات العامة، فإنه من باب مفهوم المخالفة يستطيع أن يعزز هذه الحريات في غير فترات حالة الطوارئ، ما يعني إمكانية اللجوء للاستفتاء.

 

وهذا السند مردودٌ عليه، لأن السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) تستطيع العمل على تعزيز الحريات العامة أيضاً، كما أن هنالك أسباباً موجبة لإعلان حالة الطوارئ تضمنتها أحكام المادة (110) من القانون الأساسي وردت على سبيل الحصر وعلى النحو التالي : (( 1. عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح أو حدوث كارثة طبيعية يجوز إعلان حالة الطوارئ لمدة لا تزيد عن ثلاثين يوماً. 2. يجوز تمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً أخرى بعد موافقة المجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية ثلثي أعضائه. 3. يجب أن ينص مرسوم إعلان حالة الطوارئ بوضوح على الهدف والمنطقة التي يشملها والفترة الزمنية. 4. يحق للمجلس التشريعي أن يراجع الإجراءات والتدابير كلها أو بعضها التي اتخذت أثناء حالة الطوارئ لدى أول اجتماع عند المجلس عقب إعلان حالة الطوارئ أو في جلسة التمديد أيهما أسبق وإجراء الاستجواب اللازم بهذا الشأن )).

 

وبالتالي، فإن هنالك، أولاً، حالات حصرية لإعلان حالة الطوارئ متمثلة في الحرب أو الغزو أو العصيان المسلح أو الكوارث الطبيعية، وهذه الحالات تندرج في إطار الاستثناء، والاستثناء لا يقاس عليه أصلاً. وثانياً، أن ما يتم اتخاذه من إجراءات خلال فترة الطوارئ يتم مراجعته من خلال المجلس التشريعي بتأكيد النص الدستوري المذكور. وثالثاً وهو الأهم، هل من الطبيعي أن يجري الاستفتاء في حالات الطوارئ؟ فهل يستفتى الشعب مثلاً في حالات الكوارث الطبيعية، أو في حالات الجوع، أو في حالات العصيان المدني والحرب الأهلية؟ فهل من الطبيعي أن تقوم الحكومة الأندونيسية بالدعوة لإجراء استفتاء في ظل كارثة تسونامي مثلاً ؟ وهل من الطبيعي أن تدعو حكومة الصومال لإجراء استفتاء في ظل المجاعة السائدة هناك؟ وهل بإمكان حكومة السودان في ظل الأوضاع السائدة في دارفور أن تدعو لاستفتاء؟ وبالقياس هل يُستفتى الفلسطينيون في حالة الحصار الاقتصادي الخانق المفروض عليهم ؟!

 

في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني

ترى وجهة النظر المؤيدة لإجراء الاستفتاء بأن طبيعة النظام السياسي تخوّل مؤسسة الرئاسة، اللجوء لإجراء الاستفتاء، وذلك لكون النظام السياسي الفلسطيني شبيه إلى حد كبير بالنظام السياسي الفرنسي الذي يمنح صلاحيات إجراء الاستفتاء للرئيس.

 

وعلى هذا السند، نردّ في اتجاهين؛ الأول أن النظام السياسي الفرنسي هو نظام شبه رئاسي لا خلاف بشأن طبيعته السياسية، وهو وعلى الرغم من أنه يميل في بعض الأحيان إلى تغليب الصلاحيات الرئاسية عندما يكون الرئيس مؤيداً بأغلبية برلمانية، إلاّ أنه ومع ذلك، تم تحديد الآلية والكيفية التي يتم من خلالها اللجوء إلى الاستفتاء، وذلك عبر نصوص صريحة وردت في متن الدستور.

 

أمّا الاتجاه الثاني، فيتمثل في صعوبة تحديد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني بالاستناد إلى القانون الأساسي. ذلك أن هنالك ثلاث وجهات نظر في هذا الشأن؛ تطرح إحداها أن القانون الأساسي يتشح بالغموض لجهة تحديد صلاحيات كل من مؤسستي الرئاسة ورئاسة الوزراء، بمـا يخلق نظاماً مختلطاً ( رئاسي برلماني ) شبيه بالنظام السياسي الفرنسي. في حين تطرح وجهة النظر الثانية، رأياً مغايراً مفاده أن القانون الأساسي، وعلى إثر التعديلات التي جرت عليه عام 2003م، قد حدد صلاحيات كلا المؤسستين مانحاً الغلبة لرئاسة الوزراء على مؤسسة الرئاسة، فأصبح النظام السياسي الفلسطيني يميل أكثر باتجاه أن يكون برلمانياً. أمّا وجهة النظر الثالثة، فترى أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني تميل لأن تكون أقرب للنظام الرئاسي.

 

بالتالي، وبعيداً عن الأسانيد التي تقدمها كل وجهة نظر، فمن الضروري عدم الإطلاق والجزم بشأن تحديد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، بما يبرر اللجوء لإجراء الاستفتاء. ذلك، أن ما ورد في المادة الخامسة من القانون الأساسي، والتي تستند إليه الآراء الثلاثة أعلاه، لا تجزم أبداً في شأن تحديد شكل النظام السياسي الفلسطيني، حيث جاءت على النحو التالي: (( نظام الحكم في فلسطين نظام ديموقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخاباً مباشراً من قبـل الشعب وتكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي الفلسطيني )).

 

فعلى الرغم من أن المادة الخامسة قد أتت على ذكر طبيعة نظام الحكم، إلاّ أنها تسببت في إحداث إشكالية لجهة تفسيرها، فقد أضافت غموضـاً علـى طبيعـة النظام السياسي أكثر من توضيحـه. ذلك أن استخـدام مصطلـح " نيابي " فتح المجال أمام عـدة تفسيرات لهذا المصطلح. إذ يستند البعض إلى تفسير الفقه الدستوري لمصطلح " الديموقراطية النيابية " التي تتفرع عنها عدة أنظمة لتشمل النظام الرئاسي والنظام البرلماني ونظام الجمعية العمومية، والذي ينوب فيه مجموعة من الأشخاص، وفق أحد الأنظمة السابقة، محل الشعب في ممارسة مهام الحكم. في حين يعود البعض الآخر إلى تفسيرات أخرى في الفقه الدستوري، تساوي بين مصطلحي "النيابي" و"البرلماني".  والنيابة هنا تعني، اتباع نظام برلماني يقوم على أساس أن الشعب ينتخب نواباً في البرلمان يمارسون سلطته باسمه ونيابة عنه، خلال مدة معينة يحددها الدستور، وتكون للحكومة الصلاحيات التنفيذية الأساسية في الدولة، ويكون الرئيس فخرياً.

 

أمّا الإشكالية الثانية، والتي خلقها النص الدستوري المذكور لجهة تحديد طبيعة النظام السياسي، فهي جعل الحكومة مسؤولة مسؤولية مباشرة أمام الرئيس وأمام المجلس التشريعي. ما أدى إلى خلق حالة من الازدواجية في فهم طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، ذلك أنه، في النظم السياسية المعروفة، تكون الحكومة مسؤولة إمّا أمام الرئيس وإمّا أمام البرلمان. وليس في تجارب الدول المقارنة تجربة تجعل الحكومة مسؤولة أمام سلطتين ودون أن تكون جزءا من إحداها، كما هـو الحال في الوضع الفلسطيني على هذا الصعيد.

 

وبالنتيجة، لماذا أتت التفسيرات بشأن طبيعة النظام السياسي لتصب في جانب مؤسسة الرئاسة متجاهلة الاختلاف بشأن طبيعة هذا النظام السياسي، ومتجاهلة أيضاً السلطة التشريعية التي وردت بالنص الصريح في ذات المادة الخامسة التي تم الاستناد إليها ؟!

 

وفي الوقت ذاته، فإن الاجتهاد في تغليب إحدى السلطات الثلاث على السلطتين الأخريين، إنما يحتاج، بادئ ذي بدء، إلى نص صريح يمنح صلاحيات واضحة ومحددة لكل سلطة، يتم البناء على أساسها في جزم طبيعة النظام السياسي. وهذا يقتضي تعديلاً جوهرياً على القانون الأساسي الفلسطيني، بما يُقلل من حدة التجاذبات السياسية القائمة بين المؤسسات السياسية.

بالتالي، تبقى مسألة الحسم في شأن الاستفتاء بالاستناد إلى طبيعة النظام السياسي مسألة لا يمكن الفصل فيها، بحيث ليس بالإمكان تغليب صلاحيات إحدى السلطات على السلطات الأخرى وفقاً للأهواء والأمزجة السياسية السائدة.

 

حول أن الاستفتاء أمر سياسي محض

            إن تأييد اللجوء إلى الاستفتاء بالقول إن الاستفتاء هو أمر سياسيٌ محضٌ، ليفتقر إلى الدقة والموضوعية في الحكم. كما أن التركيز على الجانب القانوني فقط دون السياسي لهو تركيز مجتزأ يفتقر إلى الرؤية الشاملة، ويُعد وسيلة لتمرير برامج ورؤى تتعلق بمصالح غير ذي صلة بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، ذلك أن الأمر هو في كليته " سياسيٌ- قانونيٌ "، فالأمران؛ السياسي والقانوني، لصيقان لا ينفصلان.

 

            ومما لا شك فيه، أن الظروف والدوافع الأساسية التي كانت وراء إطلاق الدعوة لإجراء الاستفتاء هي سياسية محضة، جاءت نتيجة لتدهور الوضع الفلسطيني على المستويين الداخلي والخارجي، في ظل ازدياد حدة التجاذبات بين حركتي فتح وحماس، واستعصاء التوصل إلى حلّ بين الجانبين على أرضية الحوار والتوافق الوطني نظراً لاختلاف البرامج السياسية، وفي ظل ضغط دولي اقتصادي يهدف إلى زيادة حدة تلك التجاذبات بين الطرفين، لتحقيق مصالح استراتيجية، لا مجال لذكرها هنا.

 

إلاّ أنه، وعلى الرغم من سمو فكرة الاستفتاء، باعتبارها ممارسة ديموقراطية أصيلة، فإن الوضع الفلسطيني له خصوصيته التي تحتم أن يتم اللجوء إلى الاستفتاء عبر توافق وطني وعبر قنوات النقاش والحوار الجاد، فلا يجب أن يكون الاستفتاء غاية في حد ذاتها. بل يجب أن يكون الملجأ والملاذ الذي يجب أن يُفضي أولاً وأخيراً إلى التوصل إلى برنامج سياسي موحد، تُنبذ فيه المصالح الحزبية والفصائيلية الضيقة لكل جانب لصالح المصلحة الفلسطينية الواحدة، بهدف إخراج الحال الفلسطيني من مأزقه الراهن.

 

 ذلك، أنه دون هذا الأمر سيفقد الاستفتاء قيمته الحقيقية، وستكون نتيجته غير ذات معنى، فيكون الاستفتاء مقدمـة لتصعيد الأوضـاع علـى الأرض لا لحلحلتها، فلا يكـون سوى الآليـة المفجرة للوضع المحتقن أصلاً.

فضلاً عن ذلك، فإن الاستفتاء إذا فقد جانبه القانوني وتم التمسك بجانبه السياسي فقط، فلن يكون ذا مغزى، فالمفترض أن يدعم الجانبُ القانوني الجانبَ السياسي عبر أساس قانوني واضح وصريح يمنح الشرعية للاستفتاء. فعلى فرض حدوث الاستفتاء، فليس من شأنه أن يفرض على أي طرفٍ الالتزام بنتائجه وبالتبعات السياسية المترتبة عليه، عدا ذلك الاعتبار الأدبي الذي يمكن أن يتحلى به، الأمر الذي يفتح المجال أمام عدة سيناريوهات قاتمة للوضع الفلسطيني.

 

ومن بين تلك السيناريوهات المتوقعة، أن تأتي نتيجة الاستفتاء مؤيدة لبرنامج الرئيس السياسي، ويلجأ الرئيس حينها، فيما لو لم تلتزم حماس بنتائج الاستفتاء، إلى إقالة الحكومة،  خاصة وأن صلاحياته في المادة (45) من القانون الأساسي تسمح له القيام بذلك، فقد جاء النص الدستوري المذكور على النحو التالي: (( يختار رئيس السلطة الوطنية رئيس الوزراء ويكلفه بتشكيل حكومته وله أن يقيله أو يقبل استقالته. وله أن يطلب منه دعوة مجلس الوزراء للانعقاد )).

 

فإذا ما رفضت الحكومة الفلسطينية الحالية الاستقالة بحجة عدم دستورية الاستفتاء، أو عدم إلزامية نتائجه، فإن الرئيس محمود عباس سيلجأ إلى إقالتها استناداً إلى صلاحياته المنصوص عليها أعلاه بهدف تنفيذ برنامجه السياسي، معتبراً أن نتيجة الاستفتاء قد جاءت مؤيدة له ولبرنامجه. وفي هذه الحالة، سيقوم المجلس التشريعي أيضاً باللجوء إلى صلاحياته المنصوص عليها في المادة (66) من القانون الأساسي عبر حجب الثقة عن الحكومة الجديدة التي سيختارها الرئيس، الأمر الذي قد يُدخل الوضع الفلسطيني في حالة من الجمود السياسي، تبقى فيه الحكومة الحالية حكومة تسيير أعمال، إلى أن يتم حلّ هذه المسألة بتوافق بين الحركتين، أو أن يقدم الرئيس الفلسطيني على توجيه دعـوة لحلّ المجلس التشريعي وإجـراء انتخابات مبكرة، وذلك بالرغم من عدم دستورية وقانونية هذا الإجراء. وهذا ما بدأت حركة فتح بالتلويح به مؤخراً، فقد صرح رئيس كتلة فتح البرلمانية بتاريخ 4/6/2006م، أنه قد يتم اللجوء لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في حال رفض بعض الفصائل لنتائج الاستفتاء. لذلك، فإن مسألة الاستفتاء برمتها تُعد مقدمة منطقية للوصول إلى هذه النتيجة.

 

ومن بين السيناريوهات المتوقعة الأخرى، أن تسير الأمور باتجاه آخر ترفض فيه الحكومة الحالية فكرة إقالتها على أساس أن الاستفتاء غير دستوري، بحيث ترفض التوقف عن ممارسة صلاحياتها، باعتبارها سلطة مؤيدة بأغلبية برلمانية منتخبة. وهذا سيدفع باتجاه أن يسعى الرئيس محمود عباس إلى تجاوز المجلس التشريعي والحكومة الحالية بأن يُشكل حكومة موازية، ما قد ينتج حكومتين للشعب الفلسطيني تتنازعان على ذات الصلاحيات، ويخلق ازدواجية في إدارة الحياة السياسية ويقود في النهاية إلى أن تستنفر كل حكومة منهما نفوذها، بما يقود الوضع إلى مزيد من التدهور.

 

ومن ضمن السيناريوهات المحتملة أيضاً، أن يلجأ الرئيس إلى إعلان حالة الطوارئ، في سبيل الخروج من ضرورة عرض الحكومة على المجلس التشريعي. وذلك استناداً إلى أنه في حالات الطوارئ يتم تغييب مؤسسات السياسية بحيث لا تعرض الحكومة المشكلة على الثقة في البرلمان. وعندها، سيتصدى المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه أغلبية برلمانية من حركة حماس لهذه المحاولة مؤكدة عدم شرعية أيّ حكومة لا تنال ثقة المجلس التشريعي.

 

أمّا السيناريو الأخير، فهو أن تأتي نتيجة الاستفتاء مؤيدة للبرنامج السياسي للحكومة، بما ينجم عنه إحراجٌ كبيرٌ لمؤسسة الرئاسة. وحينها قد يضطر الرئيس محمود عباس إلى الاستقالة بنتيجة الاستفتاء، غير أن القواعد الشعبية لحركة فتح لن ترضى بهذه النتيجة بسهولة، وستتغلب حينها المصالح الحزبية لكل من فتح وحماس على المصلحة الفلسطينية البحتة، بما ينجم عنه حدوث تصعيد دراماتيكي داخلي تتوتر فيه الأجواء بين حركتي حماس وفتح.

 

وهذا جميعه يأتي في ظل تغييب القضية الفلسطينية عن الأجندة السياسية الدولية، وتقزيمها إلى خلافات فلسطينية داخلية،  فلا يكون هنالك من مستفيد سوى الاحتلال الإسرائيلي.

 

            وإذا كان الأصلُ، في الأسباب موجبات اللجوء إلى الاستفتاء التحكيمي، أن يأتي نتيجة حدوث خلافات سياسية حادة بين سلطات الدولة أو بين الحكومة والمعارضة أو بين الرئاسة والحكومة، كما هو الحال عندنا، إلاّ أن المخرج الحقيقي لهذه التجاذبات والأزمة الحالية، التي تمر بها الساحة الفلسطينية، لا يتم عبر الاستفتاء، وإنما عبر التوافق والحوار الجاد، لا سيما وأن النزاعات الفصائيلية لا تُحل بالإجبار، وإنما تأتي عبر الإيمان العميق والجدي بها.

 

 

 

 فضلاً، عن أن عملية تنظيم الاستفتاء تحتاج إلى ما يُقارب (10) ملايين دولار أمريكي لإجرائها، فمن باب أولى أن ترصد هذه الأموال في المساعدة في فك الحصار عن الشعب الفلسطيني، والمساهمة في حل أزمته الاقتصادية. ي خلاصة الأمر، إذا كان لا بد من إجراء الاستفتاء العام، فإن المطلوب في الوضع الحالي أمرين اثنين؛ الأول هو التوافق بين الفصائل والقوى السياسية بشأن الاستفتاء كي يتم القبول به والالتزام بنتيجته، والثاني أن يجري الاستفتاء على أسس قانونية لا تفسح المجال أمام عدم الاعتراف به وأمام الطعن في شرعيته، كما ويجب التأكيد على أن الشعب والقضية الفلسطينية، أولاً وأخيراً، هما المتأثران سلباً بكل خلاف ونزاع داخلي، وليكن التوافق الوطني وسيلة العمل في المرحلة المقبلة.

 

 

- انتهى -

 

 

 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a cooperative effort by a group of Egyptian authors pooling together their talents for the sake of Egypt's Future.  Articles contained in these pages are the personal views and/or work of the authors, who bear the sole responsibility of the content of their work. This Monthly Electronic Magazine is a non-profit, commercial free zone and is answerable to no one.