عبد الناصر في ميزان الرجال

 

د. إبراهيم عبد المطلب

أستاذ ورئيس قسم الهندسة الكهربائية

جامعة شمال إلينوي-أمريكا

 

لعبد الناصر أعداء كثيرون، أكثرهم عداءاً هم الغرب واسرائيل والإخوان المسلمين. عبد الناصر توفاه الله منذ أكثر من 40 عاما، لكن الهجوم عليه لم ينقطع. إقراً جريدة الشرق الأوسط السعودية، تجد أنهم يهاجمون عبد الناصر لما يفعله أحمدي نجاد، أو شافيز، أو حسن نصر الله، وكأنهم يعترفون أن نفوذ هذا الرجل مازال يلهم الناس، ولا يكون ذلك الا من عظيم. شاهد أحمد منصور على قناة الجزيرة أو إقرأ لمأمون فندي في الشرق الأوسط تجدهم يريدون أن يطمسوا مجد عبد الناصر بكل وسيلة، وكأن هذا هو هدفهم في الحياة. يفعلون ذلك وهم من من تعلم بسبب مشروع ناصر، ولو لم يكن ناصر موجوداً ربما كان أحدهم فلاح واآخر موظف صغير، بدلاً من دكتور جامعي واعلامي شهير.

السؤال هو: ما هو وزن الرئيس عبد الناصر في ميزان الرجال؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعرّف ما هو وزن رجل؟ دعنا نبدأ بك أيها القاريء. ما هو وزنك بين الرجال، أو وزني أنا بين بين الرجال؟ و ما هو وزنك أيتها القارئة بميزان الرجال؟ دعني أقول لك ما هو وزنك.

ماذا تفعل؟ مدرس؟ جميل! تنشيء جيل من المتعلمين؟ رائع! لديك زوجة وأولاد؟ ربنا يخليهم لك! تتولى مصالحهم من أكل وشرب ولبس وتعليم وارشاد؟ بارك الله فيك؟ لكن قل لي هل تأخذ أجراً على عملك كمدرس؟ بالتأكيد. إذا أنت رجل، تعمل وتجتهد لكي تحصل على أجر تنفقه لتربي أولادك وتتم رسالتك في الحياة ويأتي بعدك أولادك ليفعلوا ما فعلت.

إذاً أنت رجل "واحد" في ميزان الرجال! وتكون رجل وربع (أي رجل وفخدة) لو أنك تقوم بذلك بدون زوجة تساعدك.

إن كان القاريء سيدة، هل تربي أولادك مع زوجلك؟ عظيم! هل تعملي من أجل مساعدة زوجك أو لأن زوجك غير موجود؟ رائع!

إذا أنت أيتها الأخت رجل في ميزان الرجال (لكن بدون الوجه العكر للمدرس السابق) ولو كان زوجك غير موجود فأنت رجل ونصف.

فإن قلت أنا طبيب أو مهندس، أو أستاذ جامعة، أو باحث، فأنت في ميزان الرجال لا تزيد عن مثال المدرس أو الزوجة التي تسعى لتربية أولادها. لاحظ أنك تعمل بأجر لكي تربي أولادك وتعول أسرتك و أن هدفك الأصلي هو نفسك وأهلك، ولا يوجد في ذلك عيب، فأنت رجل في ميزان الرجال. أما أثرك على الآخرين فهو أثر غير متعمد. أنت تعمل لكي تأخذ مرتب، وفي المقابل تؤدي خدمة تأتي بأثر إيجابي على الغير شئت أم أبيت. لذلك دخلك أو نوع وظيفتك لا يجعلك أكثر وزناً في ميزان الرجال. أثر الفلاح الذي يزرع لك لتأكل وتعيش بدلاً من أن تموت جوعاً لا يقل أهمية عن أثر الطبيب الذي يعطيك الدواء لكي تشفي وتعيش بدلاً من أن تموت.

لذلك كل الناس الذين يرعون أهلهم بأمانة هم "رجال" في ميزان.

والسؤال، أليس هذا بديهي، فكل شخص يؤدي واجبه بإخلاص هو بوزن رجل في ميزان الجال؟ الجواب، نعم إلا رجل واحد نحن على يقين أنه في ميزان الرجال أكثر من رجل.

هذا الرجل هو سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام. قال الله عنه: "إن إبراهيم كان أمة." أي أن إبراهيم كان يساوي أمة.

لكن ما معني أمة هنا؟ ولماذا وصف الله إبراهيم بذلك؟ يقول المفسرون أن إبراهيم كان وحده الموحد بالله، فهو أمة مسلمة بنفسه. لكن هذا فيه نظر، لأن جميع الإنبياء كانوا في البداية هم وحدهم الموحدون، ولم يصفهم الله بأنهم أمة. وصفهم بانهم آحاد فقال: "من عبادي المخلصين" "كان صادق الوعد" "كان رسولاً نبياً" وهكذا. قالوا أيضاً معنى أمة، أي إماما. أما نحن فنقول هذا فيه نظر أيضا لأن كل الأنبياء كانوا أئمة ولم يصفهم الله بأنهم أمة. إن قلت وصف بذلك لأنه خرجت من صلبه أمة اليهود والعرب. هذا إيضاً فيه اشكالية لأن نبي الله اسحاق خرج من صلبه أمة اليهود و نبي الله اسماعيل خرجت من ظهره أمة العرب ولم يصفهم الله بأنهم أمة، فإن قلت سيدنا إبراهيم خرجت من ظهره أكثر من أمه، قلنا وكذلك خرج من ظهر آدم ومن ظهر نوح كل الأمم ولم يصفهم الله بأنهم أمة. فإن قلت هذا بسبب مكانة إبراهيم ووحي الله له، قلنا ومكانة سيدنا محمد لا تدانيها مكانة، ووحي الله له هو القائم حتى يوم الدين ولم يوصف بأنه أمة.

لذلك يبدوا أن وصف سيدنا إبراهيم بأنه أمة هو بسبب عطائه الإنساني (وليس الرباني) الذي كان له أثر في تاريخ البشرية يساوي أثر عطاء أمة كاملة. وهذا صحيح. فإبراهيم النبي الوحيد الذي اهتدى الى وجود الله عقلياً أو بالحجة، و هو من أنشأ علم المنطق وعلم التحليل الموضوعي. قال الله تعالى: " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم." لذلك كان إبراهيم أمة لأثره الإنساني على تاريخ البشرية.

من هنا يمكن أن نقوال أن كل من يقوم بجهد إنساني يؤثر بالإيجاب في التاريخ ولا يمكن الوصول اليه الا من خلال جهد أمة، هو في ميزان الرجال أمة.

الإسكندر الأكبر، يمكن أن يوصف بأنه أمة، لأنه أثر في تاريخ العالم بنشر الثقافة الهيلينية في العالم و التي استمر أثرها لآلاف السنين حتى يومنا هذا. كذلك نابليون بونابرت يعتبر أمة لأنه غير أوربا وتاريخها، فبعد أن احتل أوربا وتركها، تغيرت أوربا تماماً حتى مع رجوع العائلات المالكة القديمة. كلنا يعرف أثر نابليون حيمنا احتل مصر. محمد على أيضا يمكن أن يقال عليه أنه أمة، فلقد غير تاريخ مصر تماماً (للإسف الإخوان يريدون أن يرجعونا الى عصر المماليك). كذلك عبد الناصر هو أمة، لقد غير وجه مصر وقضي على النظام الإقطاعي الإستعبادي وساوى بين المصريين وأعاد لهم عزتهم وكرامتهم فأصبح المصريين مواطنين بعد أن كانوا رعايا. كذلك غير وجه العالم بأن أنهى أكبر امبراطوريتان استعماريتان، وحرر قارة كاملة وكثير من شعوب آسيا وأمريكا اللاتينية.

لا حظ أن محمد على ونابليون هزموا، لكن أثرهم باق. لا حظ أن من هزمهم لا يعدوا أن يمثل فصل في الرواية. فنابليون أشهر من كل من هزموه، وعبد الناصر أعلى قدراً و مكانة من كل أعدائه.

عزيزي القاريء، هل أثرت أنت في تاريخ البشرية وغيرت مجرى التاريخ؟ إن فعلت ذلك أخبرنا حتى ننحني أمامك ونصفك بأنك أمة. فإن لم تفعل، فلك التحية، لكن اعترف بأن اقصى ما يمكن أن تصل إليه في ميزان الرجال هو أنك "رجل". أما عبد الناصر فهو في مستوى خاص.

 

رحم الله جمال عبد الناصر، لقد كان أمة.

 

 

 


c. Ibrahim M. Abdel-Motaleb
Professor and Chairman
Department of Electrical Engineering
Northern Illinois University
DeKalb, IL 60115 USA
2012

 

 
 
 
 

 

The Egyptian Chronicles is a cooperative effort by a group of Egyptian authors pooling together their talents for the sake of Egypt's Future.  Articles contained in these pages are the personal views and/or work of the authors, who bear the sole responsibility of the content of their work. This Monthly Electronic Magazine is a non-profit, commercial free zone and is answerable to no one.


 

© Copyright 2003-2012
AL-YAWMIYAT AL-MISRIYAH